‏إظهار الرسائل ذات التسميات MR Szimfonikus Zenekara. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات MR Szimfonikus Zenekara. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 سبتمبر 2026

أيام ڤاگنر في بودابست

 أيام ڤاگنر في بودابست حزيران / يونيو 2026


©Thaier Saleh

فكرة المهرجان



اقيم مهرجان "أيام ڤاگنر" في قصر الفنون في بودابست بين 4 - 30 حزيران 2026. وهذه هي النسخة العشرين من هذا المهرجان الكبير الذي يستقطب محبي موسيقى ريشارد ڤاگنر (1813 - 1883) من العديد من الدول. المهرجان من بنات أفكار المايسترو المجري المعروف آدام فيشر (ولد في 1949)، وهو موسيقي بارع في قيادة الأعمال الأوبرالية بالدرجة الأولى. عمل بعد تخرجه في دار أوبرا ڤيينا سنة 1973 وفي أهم دور الأوبرا الأوروبية بعدها، أصبح المدير الفني لدار أوبرا الدولة في بودابست من 2007 حتى استقالته في 2010. قدم أعمال ڤاگنر عدة مرات في مهرجان بايرويت الشهير الذي يقام في آب من كل عام، بالدرجة الأولى رباعية نيبلونگ كاملة. ويندر تقديم الرباعية خلال أربع ليال متتالية خارج هذا المهرجان الذي أطلقه ڤاگنر نفسه قبل 150 سنة بالتمام سنة 1876 في المسرح الجديد الذي بناه المعمار گوتفريد سَمْپَر الذي بنى دار أوبرا سَمْپَر المعروفة في دريسدن. وتُعتبر "أيام ڤاگنر" في بودابست أهم هذه الاستثناءات، فقد قدمت الرباعية مرتين خلال "أيام ڤاگنر" سعدت بحضور أولها. برع فيشر كذلك في تقديم الأعمال الموسيقية الأخرى، فقد أسس فرقة هايدن النمساوية - المجرية في 1987 وسجل كل سيمفونيات هايدن، وهو يقود منذ سنوات فرق أوركسترا الحجرة الوطنية الدنماركية وأوركسترا دوسلدورف السيمفونية.

جاءت فيشر الفكرة أثناء قيادته الرباعية في مهرجان بايرويت في بداية الألفينات، وتشاور مع وزير الثقافة المجري آنئذ والمعماري الذي كان يصمم بناية قصر الفنون في بودابست وقتها، وكلاهما كان في بايرويت وهما من المتحمسين لموسيقى ڤاگنر. اتفق الثلاثة فورا على ضرورة إقامة مهرجان لڤاگنر في بودابست (وكان فيشر وقتها المدير الفني لفرقة الراديو المجري التي تقدم أيام ڤاگنر حتى اليوم). يعتقد فيشر أن بناية قصر الفنون في بودابست ملائمة أكثر من مسرح بايرويت لتقديم أعمال ڤاگنر، بالخصوص أوبراه الأخيرة پارسيفال التي تتطلب من أعضاء الكورس الجلوس على ثلاث شرفات (ثلاثة طوابق) وهو الأمر الذي لا يتحقق في بايرويت. كذلك قدرة الفرقة الموسيقية الموسيقية على الجلوس في خندق مناسب بحيث يسهل على قائد الفرقة سماع المغنين، ورؤية الموسيقيين بعضهم البعض الآخر. وتعاني الفرق التي تعمل في بايرويت من ضيق الخندق وطغيان صوت النحاسيات الذي يعرقل سماع قائد الأوركسترا المغنين بسهولة، الأمر الذي يفرض القيام بتمرينات أكثر من المعتاد قبل تقديم الأعمال حتى يتمكن المشاركون من تفاصيل النص الموسيقي.

نجح فيشر في استقدام أشهر مغني أوبرات ڤاگنر إلى بودابست. فهو يعمل معهم في بايرويت كذلك، وهم سعيدون بالعمل معه. فقائد الأوركسترا الجيد برأيه هو ليس من يقول عنه الجمهور "يا له من مايسترو جيد" بل هو من يستطيع استخراج أفضل ما عند الموسيقيين والمغنين الذين يقودهم بحيث يقولون "كان أدائي رائعاً هذا المساء". بذلك كان نجوم الأوبرا سعيدين عندما عرض عليهم المجيء إلى بودابست ووافقوا بسرور.

©Thaier Saleh

أيام ڤاگنر



قاد المايسترو المجري آدام فيشر رباعية "خاتم النيبلونگ" كاملة ضمن مهرجان "أيام ڤاگنر" سبعة عشرة مرة، وكانت هذه هي المرة الأخيرة. إذ جرى تكليف المايسترو المجري الشاب مارتن راينا قيادتها في المهرجانات القادمة. ولد راينا في 1995 وهو قائد الأوركسترا الأول لدار أوبرا الدولة في بودابست، وبدأ الآن العمل إلى جانب فيشر كمدير فني ثان لمهرجان "أيام ڤاگنر". ويعلل فيشر أسباب هذا التغيير بالحاجة إلى تقديم الرباعية بإخراج جديد، فقد جرت العادة تقديم الأعمال الفنية في دور الأوبرا بإخراج جديد كل 15 - 20 سنة لكسر الرتابة ومواكبة تطور الحياة وتجديد المضمون وفق ذلك. يرى فيشر كذلك أهمية ديمومة المهرجان، وهذا لا يتم بربطه به شخصياً، بل عبر نقله إلى الجيل الجديد ودعمه بالخبرة والمشورة، وهذه فرصة لتكليف المدير الفني الجديد بتقديم الإخراج الجديد والعمل على تطويره خلال السنين القادمة.

ابتدأ المهرجان واختتم بتقديم دراما "پارسيفال" التي أداها التنور الدنماركي ماگنوس ڤيگيليوس بدور پارسيفال والسوپرانو الألمانية آنيا كَمپه بدور كوندري. وهذا هو التقديم الأول للمخرجة النمساوية بيرگيت كايتنا - ڤونيگ التي نقلت الأوركسترا من الخندق إلى المسرح في إشارة إلى أهمية الموسيقى في هذا العمل الدرامي الأخير الذي كتبه ڤاگنر وقدمه في 1882، قبل وفاته بعام. والإخراج قدم بأدنى الوسائل، بما يسمح به مسرح صالة بارتوك في قصر الفنون في بودابست وهو مخصص للحفلات الموسيقية وليس مجهزاً مثل مسارح دور الأوبرا.

قدمت الأمسية الغنائية لهذا العام السوپرانو الفنلندية كاميلا نيلوند بمصاحبة عازف البيانو النمساوي هلموت دويتش. تضمن البرنامج أغاني الغجر لدڤورجاك واغنية للنمساوي ألبان بيرگ واغنيتين من أعمال ڤاگنر وست أغاني لريشارد شتراوس وخمس أغاني لسيبيليوس أربعة منها باللغة السويدية. وكلا الفنلنديين الإثنين، سيبيليوس ونيلوند من الأقلية السويدية التي تعيش على الساحل الجنوبي الغربي والغربي في فنلندا. وارتباطاً بتقديم نيلوند حفل في بودابست نذكر أنها درست عند السوپرانو أيفا إلّيش (1929 - 2010) في زالتسبورغ في جامعة موتسارتيوم بالنمسا، وهي مغنية مجرية الأصل هاجرت إلى ألمانيا الغربية في 1967. وقدمت نيلود دور برونهيلده في مهرجان بايرويت الذي دام بين 24 تموز و 26 آب 2026.

تميز مهرجان "أيام ڤاگنر" هذا العام بتقديم الرباعية مرتين، وهي من إخراج المخرج النمساوي هارتموت شورگهوفر (ولد في 1964) وغناء أفضل المتخصصين بأعمال ڤاگنر على صعيد عالمي ممن اعتادوا تقديم الرباعية في بايرويت وأهم دور الأوبرا.

عرض خلال المهرجان كذلك عدد من الأفلام الوثائقية، ودعي عدد محدود من رواد قصر الفنون في بودابست ممن حملوا البطاقة البلاتينية في عضوية القصر إلى حضور التدريب النهائي لرابع أجزاء الرباعية واللقاء بالفنانين.

حازت أيام ڤاگنر في بودابست على سمعة عالمية خلال السنوات العشرين من عمر المهرجان. وقد اقتبس منظمو المهرجان عبارة جورج لوميس الناقد الموسيقي في صحيفة نيويورك تايمز عن المهرجان في 2013 ما معناه "لم تحصل على تذاكر لمهرجان بايرويت؟ بودابست عندها مهرجان ڤاگنر كذلك!" في تقييمٍ عالٍ لهذا النشاط الفريد.


الرباعية



مسرح بايرويت

كتب ريشارد ڤاگنر نص (ليبرتّو) وموسيقى رباعية خاتم نيبلونگ خلال الفترة بين 1848 - 1874 استناداً إلى مجموعة من القصص
 والأشعار الاسطورية والشعبية الجرمانية والاسكندنافية، بالخصوص الأيسلندية التي يعود تدوين أغلبها إلى القرن الثالث عشر وقام بتغيير الشخوص والنص الأصلي وفق أهواه وذوقه، ودمج أحداث المصادر المختلفة وغيّر بعضها. خطط ڤاگنر في البداية تأليف أوبرا واحدة هي موت زيگفريد، لكنه عدل عن رأيه لاحقا في 1851 ليسبقها بأوبرا أسماها زيگفريد الشاب قبل أن يقرر في خريف العام نفسه كتابة رباعية. الحلقة الأولى من الرباعية "ذهب الراين" التي عرضت في 1869 هي أقصر الأعمال، إذ تتألف من فصل واحد بأربعة مشاهد فقط وتستغرق قرابة ساعتين ونصف، هي أشبه ما تكون بمقدمة للرباعية. يستعرض ڤاگنر فيها النقطة المحورية في الرباعية وهي سرقة القزم آلبريخ ذهب الراين الذي تحرسه الحوريات العذارى وقيامه بصياغة الخاتم الذي يتمتع بقدرة سحرية تمنح مالكه السلطة على العالم. الحلقة الثانية هي دراما "الڤالكيرات" (1870) ويستغرق عرضها أقل من أربع ساعات بقليل وتتألف من ثلاثة فصول، تليها "زيگفريد" التي تستغرق أربع ساعات بثلاثة فصول، ثم الحلقة الأخيرة "غسق الآلهة" وهي أطولها إذ تمتد لأربع ساعات ونصف. وقد قدمت الرباعية كاملة بضمنها الحلقتين الأخيرتين للمرة الأولى بين 13 - 17 آب 1876 على مسرح بايرويت الذي بني خصيصاً لتقديم أعمال ڤاگنر بدعم سخي من ملك باڤاريا لودڤيگ الثاني (الملقب بالمجنون). وقد قاد الفرقة وقتها المايسترو هانس ريختر (1843 - 1916)، صديق ڤاگنر، دون أن يرد اسمه على المواد الإعلانية عن الرباعية.

قاوم ڤاگنر فكرة تقديم الرباعية خارج بايرويت بعناد، لكنه عدل عن رأيه بسبب حاجته الشديدة إلى موارد جديدة لتسديد ديونه، فقدمتها دور الأوبرا الكبيرة في ڤيينا ثم في ميونيخ ولايبتسيج في 1878، بعدها في برلين وغيرها من المدن مثل لندن (1882) ونيويورك (1884). جاء العرض الأول لأجزاء الرباعية في بودابست في دار الأوبرا الملكية متأخراً، وكان أول عمل قدمه گوستاڤ مالر المدير الفني الجديد لدار لأوبرا هو ذهب الراين، تبعه في اليوم التالي جزء الڤالكيرات (كانون الثاني 1889). وقد اندلع حريق على المسرح أثناء عرض ذهب الراين، لكن تمت السيطرة عليه بسرعة. فقد شيدت دار الأوبرا وفق تصاميم اعتبرت وقتها الأكثر تطوراً في مجال الحماية من الحريق بعد مأساة مسرح البولڤار في ڤيينا سنة 1881 التي ذهب ضحيتها 384 شخص. أكمل مالر الأمسية بنجاح كبير بعد السيطرة على الحريق.

عادة ما تقدم دور الأوبرا حلقة واحدة من الرباعية وليست كل الرباعية، عدا بايرويت التي تقدمها كاملة منذ 1876 حتى اليوم مرة واحدة على الأقل كل عام، وفي بودابست خلال العقدين الأخيرين في مهرجان "أيام ڤاگنر".



الدراما الموسيقية




يمكن القول بأن رباعية "خاتم النيبلونگ" عمل موسيقي درامي لا يضاهيه شيء مماثل في تاريخ الموسيقى الأوروبية. إذ ألّف ڤاگنر عملاً من طراز خاص، تتداخل فيه العناصر الدرامية وتشكل مع النص والموسيقى شبكة معقدة مشبعة بشحنة هائلة ومتواصلة من التوتر الدرامي. فهي بعيدة عن الأوبرا التقليدية التي تتألف من سلسلة من الأغاني (آريا) والإلقاء الملحن (كما في حالة أوبرا الباروك والعصر الكلاسيكي) والحوار. هي عبارة عن نص موسيقي ودرامي متواصل دون انقطاع، يشكّل وحدة موسيقية متواصلة، وصل ڤاگنر إليها باستعمال مجموعة من التقنيات منها الثيمات الأساسية (اللحن الدال) والتفاعل بينها وتطورها بالتزامن مع السير الدرامي. لا نسمع فيها اغنية - آريا، بل سيل من التفاعل الموسيقي الغنائي دون توقف، يتخلله في أحيان قليلة تعليق من الأوركسترا لوحدها، أو رقصة ما.

كتب ڤاگنر الرباعية لأوركسترا كبيرة تراوح عدد أعضائها بين 107 و 124 عازف. كان هذا العدد استثنائياً في ذلك الوقت إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار قوام الفرق وقتها، مثلاً تألفت فرقة گِڤاندهاوس أشهر أوركسترا من 58 عازف سنة 1845، ارتفع بعد سنتين إلى 72. نجم عن استعمال اوركسترا كبيرة عدد من المشاكل، أهمها ضيق خندق الأوركسترا في غالبية دور الأوبرا، فهو لا يتسع لهذا العدد. ونتج عنه كذلك التفكير في كيفية جلوس عازفي مختلف الأقسام بحيث يتمكن قائد الفرقة من رؤيتهم جميعا من أجل توجيههم بسهولة. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دعت ڤاگنر إلى التفكير في إنشاء مسرح خاص بأعماله، وهو ما تحقق لاحقاً في بايرويت.

تألفت أوركسترا ڤاگنر من 16 عازف كمان أول ومثلها من الكمان الثاني، وقد أجلس قسم الكمان الأول على يمين قائد الفرقة والثاني على يساره. هذا يعني أن صوت الكمان الثاني سيكون على أشدّه في اتجاه الجمهور بينما صوت الكمان الأول في اتجاه المسرح بسبب طريقة حمل الكمان مائلاً وليس بشكل افقي. وربما كان هذا الاختلاف في اتجاه وجه الكمان وراء طريقة جلوس العازفين في الأوركسترات الأمريكية التي اعتمدها كبار قادة الأوركسترا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، عندما وضعوا الكمان الثاني بعد الأول في يسار المسرح، ومن ثم جاءت الڤيولا في الوسط، وعلى اليمين جلس عازفو الچلو وخلفهم الكونتراباص، بذلك يكون وجه كل الأدوات الموسيقية في مواجهة الجمهور قدر الإمكان. استعمل ڤاگنر كذلك سبع قيثارات في ذهب الراين وست قيثارات في الأجزاء الباقية، أجلس آدام فيشر بعضها في أعلى شرفتين في القاعة على اليمين واليسار في المشهد الرابع من ذهب الراين. ونسمع في الجزأين الأول والثاني أصوات المطارق وهي تضرب السندان على المسرح ومع الأوركسترا في تصوير مميز لطرق الذهب من أجل صنع الخاتم، كذلك إعادة صناعة السيف السحري نوتونگ من القطع المكسورة على يد زيگفريد في الحلقة الثالثة المسماة باسمه. استعمل كذلك عدداً من الأدوات الموسيقية "خارج المسرح" مثل القيثارات مارة الذكر والهورن وغيرها.



الأمسية الأولى: ذهب الراين



©János Posztós Rheingold
©János Posztós


حضرت في 18 حزيران الماضي دراما "ذهب الراين" الحلقة الأولى من رباعية ڤاغنر "خاتم النيبلونگ" على مسرح صالة بيلا بارتوك الوطنية للموسيقى في قصر الثقافة في بودابست، وهي القاعة الأهم في هذا المجمع الضخم الذي افتتح قبل ربع قرن.

تبدأ الأوبرا بتصوير بارع لجريان نهر الراين، حيث استعمل ڤاگنر تقنية أشبه بتقنية حديثة ارتبطت بفيليݒ گلاس هي المينيماليزم، حيث تتكرر الجمل الموسيقية بشكل متواصل لكن مع تحوير صغير كل مرة ما يعطي الإحساس بالجريان وسير الزمن ببطء. تحرس الكنز الموجود في قاع النهر ثلاث حوريات هن عذارى الراين. يظهر القزم آلبَريخ فجأة ويبدأ بمغازلة الحوريات اللاتي تسخرن منه، فيحاول مجدداً حتى يبلغ اليأس منه. يعلم فجأة أن الذهب لا يصله إلا من يتنازل عن الحب تماماً، فيلعن آلبَريخ الحب ومشاعره ويسرق الذهب ويصنع منه خاتماً سحريا. يُجبر آلبَريخ الذي تسلط على شعبه في نيبلونگ أخاه "ميمه" على صنع خوذة سحرية من الضباب تأخذ من يلبسها إلى أي مكان يريده أو يتخذ أي هيئة يرغبها.

في هذه الأثناء يكتمل بناء موطن الآلهة "ڤالهالّا"، ويطلب العمالقة "فافنر" وأخوه "فازولت" اللذان بنيا ڤالهالّا أجرهم، ليس أقل من يد "فريّا" آلهة الجمال والشباب الدائم، أخت "فريكا" زوجة كبير الآلهة "ڤوتان". يحاول ڤوتان التملص من وعده، لأن فقدان فريّا التي تعتني بالشجرة التي تثمر التفاح الذهبي الضروري لديمومة الشباب سيعني شيخوخة الآلهة. يأتي "لوگه"، إله النار المكّار بحيلة، يخبر ڤوتان بأمر آلبَريخ والخاتم والذهب. يوافق العمالقة على أخذ الذهب بدلاً عن فريّأ، لكنهم يأخذونها معهم كرهينة لحين حصولهم على الكنز.

يحتال ڤوتان ولوگه على آلبَريخ يطلبان منه التحول إلى ضفدعة ليثبت قدرة الخوذة السحرية، يمسكان به فور تحوله ولا يطلقانه إلا بعد تسليمه الكنز والخاتم والخوذة. يذعن القزم، لكنه يلعن الخاتم. يتردد ڤوتان في إعطاء العمالقة ما وعدهم به بعد أن افتتن بقوة الخاتم السحرية، لكن الآلهة الأم، "أردا" روح الأرض تظهر من الأعماق لتنبهه إلى اللعنة التي يحملها الخاتم. يعطي كبير الآلهة الكنز للعمالقة، وسرعان ما يتحقق من اللعنة: تنازع الأخوان على تقاسم الثروة، فيقتل فافنر أخاه فازولت ويستحوذ على الكنز. تنتقل الآلهة إلى موطنها الجديد، ڤالهالّا.

قام بدور ڤوتان التنور البولندي توماش كونيَتشني بكل اقتدار، وقد قام بهذا الدور عدة مرات منذ 2016 ولم نشعر بتعب صوته خلال اليومين المتتاليين عندما قام بهذا الدور في الحلقتين الأولى والثانية من الرباعية. وبرز التنور النمساوي نوربرت أرنست بدور لوگه بتمثيله الجيد لهذا الدور من خلال تقمص هذه الشخصية الماكرة الذكية التي لا تشارك مباشرة في الأحداث، فالسلطة والسيطرة ليست مبتغاها. وتميزت هذه الدراما بغلبة المشاركة المجرية في الأدوار الرئيسية الباقية، وكان أداء أغلبهم لا يقل احترافية عن نجوم الأوبرا الأجانب.

الأمسية الثانية: الڤالكيرات


©János Posztós Walküre
©János Posztós


أوبرا الڤالكيرات هي الليلة الثانية من رباعية النيبلونگ، وربما أكثرها تقديماً بمفردها لأنها تمثل قصة كاملة لحالها، وأكثرها شهرة لما تتضمنه من مقاطع تعد من روائع الفنون الأوبرالية. ولا عجب في استعمال المخرج فرانسيس كوݒولا المشهد الأول من الفصل الثالث منها في فيلمه الأيقوني "القيامة الآن" (1979) عند مشهد هجوم السمتيات الأمريكية على القرية الفيتنامية في اختيار موفق. نستدل من شهرة هذا المقطع من الفيلم عظمة ڤاگنر في تصوير المشهد الأصلي من الدراما موسيقياً، فهو يصور قدوم أربع من الڤالكيرات على الخيول للإلتحاق بأخواتهن اللاتي يطلقن صرخات التحية. والڤالكيرات هن بنات كبير الآلهة ڤوتان وظيفتهن أخذ الأبطال الذين يسقطون في سوح القتال إلى موطن الآلهة، الڤالهالّا، لينضموا إلى جيشها. الڤالكيرا "برونهيلده" ابنة ڤوتان من إلهة الأرض "أردا" أحب بناته إليه، هي الشخصية الرئيسية في هذه الدراما.

تبدأ الأوبرا بلجوء "زيگموند" الأعزل إلى بيت "هوندِنگ" حيث تستقبله زوجته "زيگلينده" الجميلة في غيابه وتقدم له المأوى والطعام. زيگموند هو أحد أبناء ڤوتان الذي اعتاد التنكر والاختلاط بالبشر فأنجب من نسائهم أبناء وبنات ضمن خطته لاستخدامهم كوسيلة لاسترجاع الخاتم السحري. يعود هوندِنگ من المعركة فيرى الضيف زيگموند، وهو من العشيرة التي كان يحاربها للتو فيمتنع عن قتله بسبب أعراف الضيافة، لكنه يدعوه للمبارزة في الصباح، وينام. تأخذ زيگلينده زيگموند لتريه السيف الذي عجز الجميع عن سحبه من جذع شجرة غرسه فيها ڤوتان. يسحبه زيگموند بكل يسر، بذلك يحصل على السيف السحري المسمى "نوتونگ"، ويظفر كذلك بقلب زيگلينده، ويعلم في الحال أنها أخته التوأم التي تزوجها هوندِنگ عنوة.

يأمر ڤوتان ابنته برونهيلده بالوقوف إلى جانب زيگموند. لكن زوجته، "فريكا" إلهة الزواج تنبهه إلى خرق زيگموند وزيگلينده شرع الرابط الزوجي، وتطالب بمعاقبة التوأمين بسبب الزنا. يذعن ڤوتان ويعطي برونهيلده أمراً مغايراً للأول. يهرب التوأمان من كوخ هوندِنگ. تنام زيگلينده بسبب الإنهاك والإنفعال، وتظهر برونهيلده لزيگموند وتخبره بأوامر ڤوتان. يعلن زيگفريد بأنه يفضل قتل زيگلينده والجنين على أن يتركهما لوحدهما. تتأثر برونهيلده وتقرر عصيان أمر أبيها. لكن ڤوتان يتدخل في الصراع ويكسر سيف زيگموند بحربته، ويطعنه هوندِنگ فيقتله قبل أن يلقى حتفه على يد ڤوتان الغاضب. تفشل برونهيلده في الحصول على مساعدة من أخواتها، فتأخذ زيگلينده بعيدا لتنقذها ثم تعود لتواجه غضب أبيها بسبب عصيانها أوامره. يحكم ڤوتان على ابنته الحبيبة بالنوم على أن تتزوج أول رجل يوقظها منه. ترتجيه أن يحيطها بلهب لا يعبره إلا من كان بطلاً حتى لا تواجه الخزي بالزواج من أي عابر، ويعد هذا الجزء بين أعظم الأعمال الدرامية في تاريخ الأوبرا.

أجادت السوبرانو الدرامية السويدية أليسابت ستريد دور برونهيلده، وأدّت مع مغني باص باريتون البولندي القدير توماش كونيتشني الذي قام بدور ڤوتان أداء استثنائياً في الجزء الأخير من الدراما. كما أجاد الباص النمساوي ألبرت بيزندورفر دور هوندِنگ بجدارة، ولم يتغير مستوى أدائه الرائع حتى في الحلقة الأخيرة "غسق الآلهة" بعد ليلتين عندما قام بدور هاگن، ابن آلبَريخ.



الأمسية الثالثة: زيگفريد


©János Posztós

©János Posztós


بدأ الجزء الثالث من رباعية النيبلونغ "زيگفريد" يوم 20 حزيران الماضي، بعد النفير الذي عزفته جوقة النحاسيات على شرفة قصر الفنون في بودابست كالعادة، وهو مماثل للتقليد المتبع في مهرجان بايرويت. دامت الامسية أكثر من ست ساعات بضمنها استراحتين طويلتين حتى يحصل المغنون والأوركسترا على بعض الراحة، واستغلالها لتهوية الصالة في تلك الأيام شديدة الحرارة في صيف بودابست.

تلد "زيغلينده" البطل "زيگفريد"، ابن "زيگموند" الذي قتله "هوندِنگ"، لكن زيگلينده تموت أثناء الولادة. يأخذ القزم "ميمه" الطفل ويتعهد بتربيته أملاً في استغلال البطل زيگفريد من أجل الاستحواذ على الكنز، فهو الوحيد الذي لا يعرف معنى الخوف والقادر على قتل التنين "فافنر" القابع في المغارة حسبما أخبره "ڤوتان" الذي يزوره متنكراً بهيئة شيخ جوّال، ويعطيه سيف زيگموند المكسور. يحاول ميمه إصلاح السيف دون نجاح، لكن زيگفريد الشاب يفلح في طرقه وإصلاحه، ويمسك السيف السحري "نوتونگ" بيده. يخلط ميمه خلال ذلك شراباً ساماً ليقتل به زيڰفريد بعد الانتهاء من قتل التنين لينفرد بالكنز، ثم يأخذه إلى المغارة. يثقف زيگفريد قلب التنين بسيفه ويقتله، لكن يده تحترق من دم التنين، فيرفعها إلى فمه. تحدث أعجوبة، فقد أصبح قادراً على فهم ما تقوله الطيور وما تدمدم به الغابة. ينصحه الطير بأخذ الخاتم والخوذة فقط، ويحذره من مكيدة ميمه الذي اقترب منه ليعطيه كأس السم، فيضربه بالسيف ويقتله فوراً، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يعرفه في هذا العالم. يخبره الطير كذلك قصة الجميلة النائمة، ويقوده إليها.

يقف ڤوتان في طريق زيغفريد متردداً، هل يعطيه ابنته الحبيبة إلى قلبه؟ لكن البطل الشاب يحطم رمح ڤوتان رمز سلطته بسيفه السحري، ويمضي ليعبر جدار اللهب ويقبل "برونهيلده" النائمة بدرع الفالكيرات فتستيقظ. يقع زيغفريد في حب برونهيلده التي لا تتقبل الأمر في البداية، لكن حب البطل الشاب الجارف ينتصر في النهاية.

نجد في الجزء الثالث من الرباعية شيئاً من أجمل المقاطع التي كتبها ڤاگنر، مثل "همهمة الغابة" التي تعد بين أشهر الصور الموسيقية للتعبير عن الطبيعة، كذلك الثنائي الغرامي بين زيگفريد وبرونهيلده في الفصل الثالث، وقد استعمل ڤاگنر مادته الموسيقية في تأليف القصيدة السيمفونية الرقيقة المسماة "Siegfried Idyll" لفرقة الحجرة، وكانت هديته لزوجته كوزيما ليست بمناسبة ولادة ابنهما اللذان أسماه "زيگفريد" سنة 1869. نلمس في هذا الجزء كذلك بعض آراء ڤاگنر، فهو يصوّر بالتنين الجاثم على الكنز جشع المصرفيين المسيطرين على خزنة الأموال في المجتمعات الرأسمالية. ويشير كذلك تحطيم سلطة ڤوتان إلى النهاية القريبة لسلطة الجشع والذهب، والحلم بقيام نظام جديد تستند قيمه إلى المحبة والعلاقات الإنسانية السامية.

أجاد التنور الدنماركي ماگنوس ڤيگيليوس تقديم دور زيگفريد، غناءاً وتمثيلاً، وأدت دور برونهيلده السوبرانو البولندية ماگدلينا آنّا هوفمان، ومثّل آلبَريخ الباريتون الألماني يوخن شمَكِنْبَشَر الذي قدّم نفس الدور في الأوبرات الأولى والثالثة والرابعة من الرباعية باقتدار.


الأمسية الرابعة: غسق الآلهة


©Thaier Saleh


الجزء الأخير والأطول من رباعية ڤاغنر "خاتم النيبلونگ"، والتي تترجم عادة إلى العربية "غسق الآلهة"، لأنها تصور فناء الآلهة والتهام النار موطنها ڤالهالّا. استند ڤاگنر في صياغتها إلى الميثولوجيا النورسية (الآيسلندية) التي تتحدث عن حرب طاحنة يسقط فيها أغلب الآلهة وتنتهي إلى عدد من الكوارث الطبيعية بضمنها دمار العالم بالنار وتنتهي بغرقه في طوفان شامل، قبل أن تولد الأرض من جديد بعد تطهرها بالنار والماء ليسكنها الإنسان الأول. تشير تسمية "گيبيشونگ" في الأساطير إلى مملكة يحكمها "گونتر" (گونار بالأيسلندية) بالأصل، لكن ڤاگنر يقصها علينا بشكل آخر.

تبدأ الأوبرا بمحاولة إلهات المصير الثلاث التنبؤ بالمستقبل دون طائل، فحبل المصير ينقطع فجأة عندما يحاولن معرفة ما سيحصل للخاتم ولعنة آلبَريخ. يودّع زيگفريد برونهيلده ويترك الخاتم عندها ويأخذ الخوذة السحرية معه وينطلق بحثاً عن مغامرات جديدة.

يأخذنا الفصل الأول إلى "گيبيشونگ"، وهي مملكة گونتر الذي ينصحه هاگن (أخوه من أمه، ابن القزم آلبَريخ) بالزواج من برونهيلده وتزويج أخته گوترونه من البطل زيگفريد. يعطي هاگن شرباً سحرياً لگوترونه حتى تسقي زيگفريد منه فتجعله ينسى حب برونهيلده التي لا تزال على قمة الجبل محاطة باللهب السحري الذي صنعه اله النار لوگه. يصل زيگفريد مملكة گونتر ليلتقي بالملك الذي يستقبله أحسن استقبال. تسقيه گوترونه الشراب السحري فينسى برونهيلده وحبه لها، ويقع في غرام مضيفته. يتعاهد البطلان زيگفريد وگونتر على الأخوة ويختما العهد بدمهما، ويتعهد زيگفريد مساعدة گونتر على الظفر بيد برونهيلده وينطلقان إلى جبلها تاركين هاگن وراءهما لحراسة المملكة. تزور ڤالتراوده في هذه الأثناء اختها برونهيلده وتخبرها بأمر فقدان ڤوتان سلطته بعد كسر رمحه، ثم ترجوها إعادة الخاتم الملعون إلى عذارى الراين، لكن برونهيلده ترفض، لا تريد كسر وعدها لحبيبها زيگفريد الذي أعطاها الخاتم حتى تحفظه.

يلبس زيگفريد الخوذة السحرية ويتنكر بهيئة گونتر، ثم يجتاز جدار اللهب، وينجح في انتزاع الخاتم من يد برونهيلده التي قاومته دون جدوى ويضعه في إصبعه. يقضي الليل مع برونهيلده واضعاً بينهما السيف نوتونگ حاجزاً حتى يفي بوعده لگونتر بعدم لمسها. تتفاجأ برونهيلده عند وصولها مع گونتر الحقيقي إلى مملكته بوجود جمع من المحاربين المستقبلين وزيگفريد مع گوترونه وفي إصبعه الخاتم، وتفهم أنه قد خانها. تتهم گونتر أمام الجميع بأنه كذّاب وأنه يتباهى بأعمال فعلها آخرون، وتتهم زيگفريد كذباً بمضاجعتها، ما يعني أنه خان عهده مع گونتر. يقسم زيگفريد برأس حربة هاگن بكل ثقة بأنه لم يضاجع برونهيلده قط، وتقسم برونهيلده والباقون على الحربة كذلك. لا يحضر گونتر وهاگن وبرونهيلده حفل العرس المزدوج، بل يتجمعون عند ساحل الراين ويخططون لقتل زيگفريد الذي خان العهود. تخبرهم برونهيلده بنقطة الضعف الوحيدة عند زيگفريد، وهي الطعن في الظهر.

أخذ گونتر الجميع في اليوم التالي إلى الصيد في الغابة لتنفيذ مخطط قتل زيگفريد الذي ينفصل عن الباقين فيلتقي عند الراين بالعذارى اللائي يطلبن منه إعادة الخاتم إليهن ليتخلص من اللعنة التي يحملها. لكنه يعلن بثقة البطل أنه مستعد للموت على المساومة على حياته بهذه الطريقة. تنبأه العذارى بأنه سيموت اليوم قبل أن يعدن إلى الأعماق. ينضم زيگفريد مجددا إلى الصيادين، ويبدأ بقصّ قصة حياته وتعداد بطولاته منذ أيام نشأته عند ميمه حتى حدادة سيف أبيه السحري نوتونگ ثم قتله التنين. عندها يسقيه هاگن مصلاً آخر مضاداً للأول الذي سقته إياه گوترونه، فيتذكر اقتحامه جدار اللهب ويقص على الجمع كيف قبّل برونهيلده وجعلها تفيق من نومها. حصل المتآمرون على الدليل: كذب زيگفريد في القسم الذي أقسمه على الرمح. يطعنه هاگن في ظهره بحربته بعد هذا الدليل. لا يتذكر زيگفريد حبه لبرونهيلده إلا في آخر لحظة من حياته.

تقدم الأوركسترا قطعة موسيقية بديعة بعنوان مارش زيگفريد الجنائزي تستعرض فيه الكثير من الألحان المميزة لزيگفريد (الثيمات الدالة) في نسيج أوركسترالي مؤثر حيث يتنقل ڤاگنر من لحنٍ لآخر ببراعة. وكثيراً ما تعزف هذه القطعة بمفردها في قاعات الموسيقى لجمالها.

يصل موكب تشييع زيگفريد إلى القصر وعلى رأسه گونتر، لتتفاجأ گوترونه بجثمان زوجها. يلقي گونتر باللوم على هاگن الذي ردّ أن زيگفريد حنث بقسمه، وأن الخاتم أصبح من حصته. يعترض گونتر فيتبارز الإثنان حتى يقتله هاگن بسيفه. يهمّ هاگن بانتزاع الخاتم من إصبع زيگفريد، لكن يد القتيل ترتفع مهددة، فيتراجع هاگن ومن معه وقد أخذ بهم خوف شديد. تصل برونهيلده التي أصبحت ملكة على مملكة زوجها گونتر بعد وفاته، وتعلن براءة زيگفريد بعد أن أيقنت أن خيانته لها جاءت بسبب مؤامرة. تأمر برونهيلده أتباعها بتجهيز محرقة لحرق جنازة البطل الميت زيگفريد عند النهر، وتوصي بأخذ الخاتم من الرماد وإرجاعه إلى عذارى الراين اللائي أخبرنها بقصّة لعنة الخاتم. فكّرت أن أباها ڤوتان سيرقد أخيراً بسلام، وأرسلت إلى لوگه، إله النار الذي لا يزال يحترق في جدار اللهب عند صخرتها، ليطير إلى ڤالهالّا ويضرم النار فيها. أشعلت برونهيلده المحرقة بعد تأبينٍ أخيرٍ للبطل، ثم امتطت حصانها الحبيب گران واقتحمت النيران لتنضم إلى حبيبها زيگفريد وتتوحد معه في الموت.

تلتهم النيران القاعة وتنهار، يفيض الراين ويصل المكان المحترق حيث يحاول هاگن انتزاع الخاتم الذي زالت عنه اللعنة بعد تطهيره في النار، غير أن عذارى الراين يمسكن به ويسحبنه إلى أعماق الراين بينما نسمع موتيف اللعنة للمرة الأخيرة. تشتعل نار جديدة تلتهم هذه المرّة ڤالهالّا بمن فيها من آلهة.


©János Posztós



خاتمة


يصوّر ڤاگنر في رباعية النيبلونگ المجتمع البشري على لسان الآلهة وأنصاف الآلهة، بذلك يضع أمامنا مختلف المشاعر الإنسانية الناجمة عن أنواع الأزمات ويعكس الانفعالات الداخلية للشخوص على تنوعها بطريقة بارعة. يأخذنا ڤاگنر إلى ذهب الراين رمز الجشع الرأسمالي وبناء مجمع الآلهة على قمة جبل ڤالهالّا ثم انهياره في الختام، كأنه يصوّر قيام المجتمع الرأسمالي وأزمته ثم انهياره. جوهر الصراع هو السيطرة على السلطة والثروة، ونجد فيه كل شيء معتاد في المجتمعات البشرية وصفاتها في الخيانة والكذب والجشع والعنف ونقض العهد مقابل قوة الحب والإخلاص والتضحية.

تقديم رباعية بهذا الحجم والتعقيد على امتداد أربعة أيام متتالية بمستوى احترافي هو شيء غير معتاد بالتأكيد، حتى في مهرجان بايرويت الذي انتهى في 26 آب 2026، فقد قدمت الرباعية خلال فترة ست ليال سبع ليال. هذا ينطبق على المغنين بالدرجة الأولى، بالخصوص الذين يظهرون في أمسيتين أو أكثر مثل ڤوتان وآلبَريخ وبرونهيلده الذين يظهرون في ثلاث من الحلقات. نبرز هنا الباريتون الألماني يوخن شمَكِنْبَشَر الذي أدّى دور آلبَريخ في المرات الثلاث، وأدّى نفس الدور في مهرجان بايرويت مؤخراً. يستحق البولندي توماش كونْيَتشني الذي قام بدور ڤوتان في ذهب الراين والڤالكيرات الثناء، فهو الدور الرئيسي في هاتين الأمسيتين ويتطلب تقديمه قدرات استثنائية. أما برونهيلده فقد قدمتها ثلاث مغنيات سوبرانو خبيرات: السويدية أليسابت ستريد، والبولندية ماگدلينا آنا هوفمان (قامت بدور زيگلينده كذلك في الڤالكيرات) والألمانية دانييلا كولر، والسبب في تقديري هو تجنيب صوت السوبرانو الإجهاد وخطر تعرض الحبال الصوتية للإصابة في هذا الدور الرئيسي الصعب.

تمكن المايسترو آدام فيشر من إدارة المغنين على المسرح وقيادة فرقة الراديو المجري السيمفونية والكورس التابع لها ليقدموا أفضل ما عندهم. وتستحق الفرقة التقدير، فقد عزفت كل الأوبرات المقدمة في المهرجان على امتداد أربعة أسابيع، وهذا الدور لا يتوافق تماماً مع طبيعة فرق الراديو التي تحددها مهامها المرتبطة بالبث الإذاعي.

أخيرا لا بد من كلمة بحق الصالة التي صدحت فيها أصوات المغنين وموسيقى الأوركسترا بكل وضوح، فهي تمتلك مواصفات صوتية (أكوستيكية) متميزة. صممها المهندس الأمريكي الشهير فريدريك راسل جونسون (1923 - 2007) الذي أحدث ثورة في تصميم القاعات الموسيقية، فقد عاد إلى تصميم القاعات القديم المسمى "علبة الأحذية" بأفكار وحلول جديدة، وابتكر استعمال القواطع المتحركة لتغيير خصائص الصوت في القاعات وفقاً لطبيعة العمل المقدم وحجم ونوع الأوركسترا. انتشر اليوم ابتكاره في استعمال أجزاء متحركة في سقف القاعة عند المسرح يمكن تغيير ارتفاعها واتجاهها وترتيبها، وهو ما نراه في قاعة بارتوك وقاعة مالمو لايف وبيت الراديو الدنماركي في كوبنهاگن مثلا. وتعتبر الصالة التي تتسع لـ 1656 شخص في طليعة أفضل الصالات العالمية على صعيد الأكوستيك، وهو ما لمسناه عند الجلوس في الشرفة الأولى آخر القاعة مقابل المسرح.

نودع رباعية النيبلونگ ومقاعدنا مضمونة لحضور "الهولندي الطائر" و"تريستان وإيزولده" في مهرجان أيام ڤاگنر في بودابست العام القادم.
©Thaier Saleh














بحث هذه المدونة الإلكترونية

صدر مؤخراً

أيام ڤاگنر في بودابست

 أيام ڤاگنر في بودابست حزيران / يونيو 2026 ©Thaier Saleh فكرة المهرجان اقيم مهرجان " أيام ڤاگنر " في قصر الفنون في بودابست بين 4 ...