تعودت على ترقب حفلات فرقة بودابست الاحتفالية (Budapest Festival Orchestra BFO) وحضورها قدر الإمكان لعدة أسباب. السبب الأول هو متابعتي نشاط الفرقة في بودابست منذ تأسيسها في ثمانينات القرن الماضي، الثاني هو تأسيسها من قبل إثنين من أبرز الموسيقيين المجريين هما قائد الأوركسترا إيڤان فيشر (احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين قبل أقل من شهر) بالتعاون مع عازف البيانو المعروف زولتان كوچيش (1952 - 2016) وهي تضم خيرة العازفين المجريين، وأخيراً بسبب عمل الصديق قصي حسين قدوري فيها كعازف چلو منذ 20 سنة.
استمعت هذه المرة إلى سيمفونية مالر الثالثة مساء 31 كانون الثاني 2026 في بودابست، وكانت أكثر من رائعة، كالعادة.
حازت فرقة بودابست الاحتفالية وقائدها إيڤان فيشر على الكثير من الجوائز والتكريم، وحصل عدد من تسجيلاتها على جوائز گرامي. وهي بحسب استفتاء مجلة هيئة الاذاعة البريطانية واحدة من أفضل عشر فرق موسيقية في العالم إلى جانب اوركسترا كليڤلاند وشيكاغو السيمفونية وفرق لوس أنجليس ونيويورك وڤيينا وبرلين الفيلهارمونية وغيرها. الفارق بين هذه الفرقة والفرق التسعة الباقية هو العمر. فقد تأسست الفرقة سنة 1983 بينما يبلغ عمر الفرق الباقية أكثر من قرن، إذ تأسس أغلبها في القرن التاسع عشر (مثلا تأسست فرقة ڤيينا الفيلهارمونية في 1842).
تتميز فرقة بودابست الاحتفالية بتقديم مختلف الأعمال الموسيقية بأرقى مستوى ابداعي واحترافي. وتعمل دائماً على ابتداع طرق جديدة لنشر الثقافة الموسيقية بين مختلف شرائح المجتمع. فهناك حفلات خاصة يستهدفون بها الشباب من خلال حفلات منتصف الليل، والأطفال المصابين بالتوحد (حفلات الكاكاو)، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء، وتقدم الفرقة بمختلف تشكيلاتها حفلات مجانية اجتماعية مختلفة.
وهناك تشكيلات مختلفة تضم عازفي الفرقة الرئيسية بحسب الإهتمام، إذ ينتظر إيڤان فيشر من العازفين الانخراط بنشاط في تقديم الحفلات في هذه التشكيلات، مثل موسيقى الباروك أو الرباعيات الوترية وغيرها.
وقد أسس إيڤان فيشر مهرجان أوبرا سنوي في مدينة ڤيچنزا (Vicenza) الإيطالية من أجل تقديم أوبرا واحدة كل عام بقيادته وإخراجه، بالتعاون بين فرقته الاحتفالية مع قصر الفنون في بودابست (Müpa) ومدينة ڤيچنزا وفرقة أوبرا إيڤان فيشر ويقوم بالأدوار الرئيسية مغنون عالميون. وتقدم هذه الأوبرا في دار أوبرا المدينة (Teatro Olimpico) التي افتتحت في سنة 1585. قدم المهرجان منذ انطلاقه في 2018 لحد الآن أوبرات لجوسَپّه ڤردي وكلاوديو مونتڤردي وبنجامين برتن وكلود ديبوسي وريشارد شتراوس. وسيقدم المهرجان هذا العام أوبرا موتسارت العظيمة "الفلوت السحري". وقد نفذت تذاكر المهرجان الذي سيقام بين 23 - 26 تشرين الأول القادم منذ زمن طويل.
تحصل اوركسترا بودابست الاحتفالية على دعم من الحكومة المجرية ومن بلدية العاصمة بودابست، لكن الخلاف بين الحكومة التي يقودها أوربان وعمدة العاصمة الذي ينتمي للمعارضة يؤثر على مستوى الدعم السنوي بسبب اقتطاع حكومة اوربان مبالغ كبيرة من ميزانية العاصمة مؤخراً دون وجه قانوني.
أنجبت المجر (هنغاريا) العديد من قادة الأوركسترا البارزين منذ تأسيس أكاديمية الموسيقى في بودابست سنة 1875، وكنتاج لهذا التأسيس. وكثيراً ما نصادف على أغلفة التسجيلات الموسيقية أسماء قادة أوركسترا مجريين كبار مثل دوهناني، دونات، دوراتي، لهل، أورماندي، شولتي، ڤاينر وآخرين. ويعتبر إيڤان فيشر (وأخوه آدام فيشر) اليوم أحد أهم قادة الأوركسترا المجريين المعروفين على نطاق عالمي. من الصعب تخيل النجاح الذي تحصل عليه دولة صغيرة مثل المجر (9 ملايين نسمة) في مجال الموسيقى من دون نظام تربية موسيقية فعّال يتواصل من دور الأطفال حتى الدراسات الأكاديمية، ولا بد هنا من الإشارة إلى ما يعرف بطريقة كوداي للتربية الموسيقية التي تنمي في الأطفال حب الموسيقى والفهم الصحيح لها. وليس اعتماد اليابان هذه الطريقة بشكل واسع سوى مدخل لفهم النجاحات التي وصلتها الموسيقى في هذا البلد.
ولد فيشر في بودابست مطلع عام 1951 في عائلة موسيقية، أبوه قائد اوركسترا وامه مغنية اوبرا. منهما ورث قيادة الأوركسترا وحب الأوبرا على ما يبدو. درس العزف على البيانو والكمان والچلو ثم اتجه لقيادة الأوركسترا ودرس في ڤيينا حيث عمل مساعداً للمايسترو نيكولاوس هارننكورت لمدة سنتين. قاد بعدها عدداً من الفرق الشهيرة مثل اوركسترا لندن السيمفونية وفرق البي بي سي. أسس فرقة بودابست الاحتفالية في 1983 وقادها من نجاح إلى نجاح حتى وصلت المرتبة الراقية التي نشهدها اليوم. دائم الحركة والتجديد والتجربة، لا يرضخ للتقليد وهذا ما نراه في تعامله مع فرقته. فقد حولها الى ورشة عمل دائم فيها مختلف التشكيلات الفرعية: يقدم أعضاؤها الكثير من حفلات موسيقى الحجرة من الباروك حتى الجاز والموسيقى الشعبية المجرية. وقد ساعد هذا التوجه على تطوير قابليات أعضاء الفرقة بما يتناسب مع اهتماماتهم في ذات الوقت.
يتعامل فيشر مع النص الموسيقي باحترافية عالية، واعتاد تغيير طريقة جلوس العازفين حسب العمل الموسيقي، فقد ابتعد من الشكل الذي فرضته الفرق الموسيقية الأمريكية في خمسينات القرن الماضي واعتمدته الفرق العالمية من بعدها: كمان أول كمان ثاني ڤيولا چلو وخلفه الكونترباص الخ. توزيع أقسام الأوركسترا عنده خاضع للنص، وهذا يعطيه حرية أكبر في التعبير الموسيقي عن العمل. فعند تقديم سيمفونية مالر الثالثة أجلس الكمان الأول والچلو وخلفهم تسعة من عازفي الهورن الفرنسي على يسار المسرح حتى وسطه، بينما وضع عازفي الڤيولا أمامه في الوسط حتى اليمين والكمان الثاني على يمينه، وفوقهم بقية النحاسيات. احتلت الخشبيات قلب المسرح، خلف الچلو والڤيولا. التجديد هو وضع عشرة من عازفي الكونترباص على منصة في وسط المسرح خلف الخشبيات لتعزيز دورهم، وخلفهم أدوات الإيقاع المختلفة على امتداد المسرح كما نراه في صورة الحلقة الأولى الأسبوع الماضي. النتيجة هي متعة صوتية فريدة وغير معتادة، يشيد بها متذوقو الموسيقى الجادون حيثما تقدم الفرقة حفلاتها. بالمناسبة يعتبر فيشر أحد أهم مترجمي أعمال مالر الحاليين على صعيد عالمي.
يهتم فيشر بالأوضاع في إسرائيل وفلسطين بسبب تحدّره، ويتبنى موقفاً مشابها لما يتبناه زميله الشهير بارنبويم يتلخص في ضرورة الوصول إلى حل الدولتين عبر التخلص من المتطرفين لدى الجانبين.
عُرف گوستاڤ مالر (1860 - 1911) بحبه للطبيعة، وكان ينزوي أثناء عطله الصيفية خلال عمله في هامبورغ في كوخ صغير يقع في قرية نمساوية صغيرة هي شتاينباخ الواقعة على بحيرة آتر. بدأ مالر بتأليف سيمفونيته الثالثة سنة 1893 في هذه الجنّة الأرضية وانتهى منها في 1896 قبل أن يستلم إدارة أوبرا البلاط في ڤيينا (أوبرا الدولة الآن) في 1897. موضوع السيمفونية الصيف والزهور وحيوانات البر، وقد وصف سيمفونيته الثالثة "وجدت كل الطبيعة صوتاً لها في هذه السيمفونية". وتعدّ هذه السيمفونية أطول سيمفونية كتبت ولا تزال تقدم، إذ يستغرق أداؤها حوالي 100 - 110 دقائق، وتتألف من ست حركات. هيّأ مالر وصفاً لحركات السيمفونية في مطبوع حفل الافتتاح سنة 1902 قبل أن يغير رأيه ويحذفه منه. وبحسب شهادات المقربين منه كانت مواضيع حركات السيمفونية الست هي: الأولى تصوّر "استيقاظ ݒان (إله البرية والرعاة والمواشي في الميثولوجيا الإغريقية) من سباته ودخول الصيف"، وهي أطول الحركات الست. الحركة الثانية "ما تقوله لي الزهور في الحقل"، وقد أستبدل إيڤان فيشر عصا القيادة بوردة روز (جوري) بيضاء في هذه الحركة لتوكيد ذلك. الحركة الثالثة "ما تقوله لي الحيوانات في الغابة"، الرابعة "ما يقوله لي الإنسان"، الخامسة "ما تقوله لي الملائكة" وأخيرا السادسة، "ما يقوله لي الحُب".
كتب مالر هذه السيمفونية بالغة الطول لأوركسترا كبيرة، فقد شغلت أوركسترا بودابست الاحتفالية كل مسرح القاعة الكبرى في قصر الثقافة في بودابست المسماة قاعة بيلا بارتوك التي تتسع لـ 1656 مقعد. الأوركسترا رباعية، أي أنها تضم أربع أدوات في كل قسم، مع بعض الاختلافات، فقد استعمل مالر ثمانية من أدوات الهورن الفرنسي وهورن بريد (خارج المسرح في الحركة الثالثة)، وقد اعتاد مالر استعمال عددا كبيرا من الهورن في سيمفونياته. استعمل كذلك خمس أدوات كلارينيت، وقيثارتين، وقسم إيقاع معزز بالكثير من الأدوات مثل الأجراس التي يضع بعضها على شرفة عالية كما هو الحال في سيمفونيتيه الثانية والثالثة. واشتركت مغنية من طبقة آلتو في غناء نص "أغنية منتصف الليل" من عمل گوته "هكذا تكلم زرادشت" في الحركة الرابعة، ونص من أغاني ألمانية قديمة "هورن الفتى العجيب" في الحركة الخامسة، أسهم معها في الغناء كورس نسائي وكورس أطفال في الحركة الخامسة فقط.
قيادة مثل هذه الفرقة الكبيرة ليست سهلة، وقيادة أعمال مالر ليست سهلة كذلك، وهنا يبرز دور قائد الأوركسترا بشكل واضح. ويفاضل المالريون (وهم المتحمسون لموسيقى مالر) بين قادة الأوركسترا، ويصنفونهم حسب ادائهم أعمال مالر. وكثيراً ما اعتبروا قادة اوركسترا معروفين وشهيرين ضعفاء في تقديم وترجمة أعمال مالر. لكن إيڤان فيشر ليس بين هؤلاء، بل يعتبره المالريون من افضل مترجمي أعمال مالر اليوم. فهو قادر على استخراج أفضل الطاقات من عازفي فرقته، وهو أمر يمكن الشعور به فوراً في القاعة. يتميز ما يقدمه إيڤان فيشر مع فرقة بودابست من أعمال مالر بانسيابية غير معتادة مقارنة مع تقديم قادة الفرق الأخرى، وهذا يجعل الاستمتاع بعالم موسيقى مالر أكثر عمقاً، تفقد المستمع الإحساس بالزمن.




