الأحد، 20 سبتمبر 2026

أيام ڤاگنر في بودابست

 أيام ڤاگنر في بودابست حزيران / يونيو 2026


©Thaier Saleh

فكرة المهرجان



اقيم مهرجان "أيام ڤاگنر" في قصر الفنون في بودابست بين 4 - 30 حزيران 2026. وهذه هي النسخة العشرين من هذا المهرجان الكبير الذي يستقطب محبي موسيقى ريشارد ڤاگنر (1813 - 1883) من العديد من الدول. المهرجان من بنات أفكار المايسترو المجري المعروف آدام فيشر (ولد في 1949)، وهو موسيقي بارع في قيادة الأعمال الأوبرالية بالدرجة الأولى. عمل بعد تخرجه في دار أوبرا ڤيينا سنة 1973 وفي أهم دور الأوبرا الأوروبية بعدها، أصبح المدير الفني لدار أوبرا الدولة في بودابست من 2007 حتى استقالته في 2010. قدم أعمال ڤاگنر عدة مرات في مهرجان بايرويت الشهير الذي يقام في آب من كل عام، بالدرجة الأولى رباعية نيبلونگ كاملة. ويندر تقديم الرباعية خلال أربع ليال متتالية خارج هذا المهرجان الذي أطلقه ڤاگنر نفسه قبل 150 سنة بالتمام سنة 1876 في المسرح الجديد الذي بناه المعمار گوتفريد سَمْپَر الذي بنى دار أوبرا سَمْپَر المعروفة في دريسدن. وتُعتبر "أيام ڤاگنر" في بودابست أهم هذه الاستثناءات، فقد قدمت الرباعية مرتين خلال "أيام ڤاگنر" سعدت بحضور أولها. برع فيشر كذلك في تقديم الأعمال الموسيقية الأخرى، فقد أسس فرقة هايدن النمساوية - المجرية في 1987 وسجل كل سيمفونيات هايدن، وهو يقود منذ سنوات فرق أوركسترا الحجرة الوطنية الدنماركية وأوركسترا دوسلدورف السيمفونية.

جاءت فيشر الفكرة أثناء قيادته الرباعية في مهرجان بايرويت في بداية الألفينات، وتشاور مع وزير الثقافة المجري آنئذ والمعماري الذي كان يصمم بناية قصر الفنون في بودابست وقتها، وكلاهما كان في بايرويت وهما من المتحمسين لموسيقى ڤاگنر. اتفق الثلاثة فورا على ضرورة إقامة مهرجان لڤاگنر في بودابست (وكان فيشر وقتها المدير الفني لفرقة الراديو المجري التي تقدم أيام ڤاگنر حتى اليوم). يعتقد فيشر أن بناية قصر الفنون في بودابست ملائمة أكثر من مسرح بايرويت لتقديم أعمال ڤاگنر، بالخصوص أوبراه الأخيرة پارسيفال التي تتطلب من أعضاء الكورس الجلوس على ثلاث شرفات (ثلاثة طوابق) وهو الأمر الذي لا يتحقق في بايرويت. كذلك قدرة الفرقة الموسيقية الموسيقية على الجلوس في خندق مناسب بحيث يسهل على قائد الفرقة سماع المغنين، ورؤية الموسيقيين بعضهم البعض الآخر. وتعاني الفرق التي تعمل في بايرويت من ضيق الخندق وطغيان صوت النحاسيات الذي يعرقل سماع قائد الأوركسترا المغنين بسهولة، الأمر الذي يفرض القيام بتمرينات أكثر من المعتاد قبل تقديم الأعمال حتى يتمكن المشاركون من تفاصيل النص الموسيقي.

نجح فيشر في استقدام أشهر مغني أوبرات ڤاگنر إلى بودابست. فهو يعمل معهم في بايرويت كذلك، وهم سعيدون بالعمل معه. فقائد الأوركسترا الجيد برأيه هو ليس من يقول عنه الجمهور "يا له من مايسترو جيد" بل هو من يستطيع استخراج أفضل ما عند الموسيقيين والمغنين الذين يقودهم بحيث يقولون "كان أدائي رائعاً هذا المساء". بذلك كان نجوم الأوبرا سعيدين عندما عرض عليهم المجيء إلى بودابست ووافقوا بسرور.

©Thaier Saleh

أيام ڤاگنر



قاد المايسترو المجري آدام فيشر رباعية "خاتم النيبلونگ" كاملة ضمن مهرجان "أيام ڤاگنر" سبعة عشرة مرة، وكانت هذه هي المرة الأخيرة. إذ جرى تكليف المايسترو المجري الشاب مارتن راينا قيادتها في المهرجانات القادمة. ولد راينا في 1995 وهو قائد الأوركسترا الأول لدار أوبرا الدولة في بودابست، وبدأ الآن العمل إلى جانب فيشر كمدير فني ثان لمهرجان "أيام ڤاگنر". ويعلل فيشر أسباب هذا التغيير بالحاجة إلى تقديم الرباعية بإخراج جديد، فقد جرت العادة تقديم الأعمال الفنية في دور الأوبرا بإخراج جديد كل 15 - 20 سنة لكسر الرتابة ومواكبة تطور الحياة وتجديد المضمون وفق ذلك. يرى فيشر كذلك أهمية ديمومة المهرجان، وهذا لا يتم بربطه به شخصياً، بل عبر نقله إلى الجيل الجديد ودعمه بالخبرة والمشورة، وهذه فرصة لتكليف المدير الفني الجديد بتقديم الإخراج الجديد والعمل على تطويره خلال السنين القادمة.

ابتدأ المهرجان واختتم بتقديم دراما "پارسيفال" التي أداها التنور الدنماركي ماگنوس ڤيگيليوس بدور پارسيفال والسوپرانو الألمانية آنيا كَمپه بدور كوندري. وهذا هو التقديم الأول للمخرجة النمساوية بيرگيت كايتنا - ڤونيگ التي نقلت الأوركسترا من الخندق إلى المسرح في إشارة إلى أهمية الموسيقى في هذا العمل الدرامي الأخير الذي كتبه ڤاگنر وقدمه في 1882، قبل وفاته بعام. والإخراج قدم بأدنى الوسائل، بما يسمح به مسرح صالة بارتوك في قصر الفنون في بودابست وهو مخصص للحفلات الموسيقية وليس مجهزاً مثل مسارح دور الأوبرا.

قدمت الأمسية الغنائية لهذا العام السوپرانو الفنلندية كاميلا نيلوند بمصاحبة عازف البيانو النمساوي هلموت دويتش. تضمن البرنامج أغاني الغجر لدڤورجاك واغنية للنمساوي ألبان بيرگ واغنيتين من أعمال ڤاگنر وست أغاني لريشارد شتراوس وخمس أغاني لسيبيليوس أربعة منها باللغة السويدية. وكلا الفنلنديين الإثنين، سيبيليوس ونيلوند من الأقلية السويدية التي تعيش على الساحل الجنوبي الغربي والغربي في فنلندا. وارتباطاً بتقديم نيلوند حفل في بودابست نذكر أنها درست عند السوپرانو أيفا إلّيش (1929 - 2010) في زالتسبورغ في جامعة موتسارتيوم بالنمسا، وهي مغنية مجرية الأصل هاجرت إلى ألمانيا الغربية في 1967. وقدمت نيلود دور برونهيلده في مهرجان بايرويت الذي دام بين 24 تموز و 26 آب 2026.

تميز مهرجان "أيام ڤاگنر" هذا العام بتقديم الرباعية مرتين، وهي من إخراج المخرج النمساوي هارتموت شورگهوفر (ولد في 1964) وغناء أفضل المتخصصين بأعمال ڤاگنر على صعيد عالمي ممن اعتادوا تقديم الرباعية في بايرويت وأهم دور الأوبرا.

عرض خلال المهرجان كذلك عدد من الأفلام الوثائقية، ودعي عدد محدود من رواد قصر الفنون في بودابست ممن حملوا البطاقة البلاتينية في عضوية القصر إلى حضور التدريب النهائي لرابع أجزاء الرباعية واللقاء بالفنانين.

حازت أيام ڤاگنر في بودابست على سمعة عالمية خلال السنوات العشرين من عمر المهرجان. وقد اقتبس منظمو المهرجان عبارة جورج لوميس الناقد الموسيقي في صحيفة نيويورك تايمز عن المهرجان في 2013 ما معناه "لم تحصل على تذاكر لمهرجان بايرويت؟ بودابست عندها مهرجان ڤاگنر كذلك!" في تقييمٍ عالٍ لهذا النشاط الفريد.


الرباعية



مسرح بايرويت

كتب ريشارد ڤاگنر نص (ليبرتّو) وموسيقى رباعية خاتم نيبلونگ خلال الفترة بين 1848 - 1874 استناداً إلى مجموعة من القصص
 والأشعار الاسطورية والشعبية الجرمانية والاسكندنافية، بالخصوص الأيسلندية التي يعود تدوين أغلبها إلى القرن الثالث عشر وقام بتغيير الشخوص والنص الأصلي وفق أهواه وذوقه، ودمج أحداث المصادر المختلفة وغيّر بعضها. خطط ڤاگنر في البداية تأليف أوبرا واحدة هي موت زيگفريد، لكنه عدل عن رأيه لاحقا في 1851 ليسبقها بأوبرا أسماها زيگفريد الشاب قبل أن يقرر في خريف العام نفسه كتابة رباعية. الحلقة الأولى من الرباعية "ذهب الراين" التي عرضت في 1869 هي أقصر الأعمال، إذ تتألف من فصل واحد بأربعة مشاهد فقط وتستغرق قرابة ساعتين ونصف، هي أشبه ما تكون بمقدمة للرباعية. يستعرض ڤاگنر فيها النقطة المحورية في الرباعية وهي سرقة القزم آلبريخ ذهب الراين الذي تحرسه الحوريات العذارى وقيامه بصياغة الخاتم الذي يتمتع بقدرة سحرية تمنح مالكه السلطة على العالم. الحلقة الثانية هي دراما "الڤالكيرات" (1870) ويستغرق عرضها أقل من أربع ساعات بقليل وتتألف من ثلاثة فصول، تليها "زيگفريد" التي تستغرق أربع ساعات بثلاثة فصول، ثم الحلقة الأخيرة "غسق الآلهة" وهي أطولها إذ تمتد لأربع ساعات ونصف. وقد قدمت الرباعية كاملة بضمنها الحلقتين الأخيرتين للمرة الأولى بين 13 - 17 آب 1876 على مسرح بايرويت الذي بني خصيصاً لتقديم أعمال ڤاگنر بدعم سخي من ملك باڤاريا لودڤيگ الثاني (الملقب بالمجنون). وقد قاد الفرقة وقتها المايسترو هانس ريختر (1843 - 1916)، صديق ڤاگنر، دون أن يرد اسمه على المواد الإعلانية عن الرباعية.

قاوم ڤاگنر فكرة تقديم الرباعية خارج بايرويت بعناد، لكنه عدل عن رأيه بسبب حاجته الشديدة إلى موارد جديدة لتسديد ديونه، فقدمتها دور الأوبرا الكبيرة في ڤيينا ثم في ميونيخ ولايبتسيج في 1878، بعدها في برلين وغيرها من المدن مثل لندن (1882) ونيويورك (1884). جاء العرض الأول لأجزاء الرباعية في بودابست في دار الأوبرا الملكية متأخراً، وكان أول عمل قدمه گوستاڤ مالر المدير الفني الجديد لدار لأوبرا هو ذهب الراين، تبعه في اليوم التالي جزء الڤالكيرات (كانون الثاني 1889). وقد اندلع حريق على المسرح أثناء عرض ذهب الراين، لكن تمت السيطرة عليه بسرعة. فقد شيدت دار الأوبرا وفق تصاميم اعتبرت وقتها الأكثر تطوراً في مجال الحماية من الحريق بعد مأساة مسرح البولڤار في ڤيينا سنة 1881 التي ذهب ضحيتها 384 شخص. أكمل مالر الأمسية بنجاح كبير بعد السيطرة على الحريق.

عادة ما تقدم دور الأوبرا حلقة واحدة من الرباعية وليست كل الرباعية، عدا بايرويت التي تقدمها كاملة منذ 1876 حتى اليوم مرة واحدة على الأقل كل عام، وفي بودابست خلال العقدين الأخيرين في مهرجان "أيام ڤاگنر".



الدراما الموسيقية




يمكن القول بأن رباعية "خاتم النيبلونگ" عمل موسيقي درامي لا يضاهيه شيء مماثل في تاريخ الموسيقى الأوروبية. إذ ألّف ڤاگنر عملاً من طراز خاص، تتداخل فيه العناصر الدرامية وتشكل مع النص والموسيقى شبكة معقدة مشبعة بشحنة هائلة ومتواصلة من التوتر الدرامي. فهي بعيدة عن الأوبرا التقليدية التي تتألف من سلسلة من الأغاني (آريا) والإلقاء الملحن (كما في حالة أوبرا الباروك والعصر الكلاسيكي) والحوار. هي عبارة عن نص موسيقي ودرامي متواصل دون انقطاع، يشكّل وحدة موسيقية متواصلة، وصل ڤاگنر إليها باستعمال مجموعة من التقنيات منها الثيمات الأساسية (اللحن الدال) والتفاعل بينها وتطورها بالتزامن مع السير الدرامي. لا نسمع فيها اغنية - آريا، بل سيل من التفاعل الموسيقي الغنائي دون توقف، يتخلله في أحيان قليلة تعليق من الأوركسترا لوحدها، أو رقصة ما.

كتب ڤاگنر الرباعية لأوركسترا كبيرة تراوح عدد أعضائها بين 107 و 124 عازف. كان هذا العدد استثنائياً في ذلك الوقت إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار قوام الفرق وقتها، مثلاً تألفت فرقة گِڤاندهاوس أشهر أوركسترا من 58 عازف سنة 1845، ارتفع بعد سنتين إلى 72. نجم عن استعمال اوركسترا كبيرة عدد من المشاكل، أهمها ضيق خندق الأوركسترا في غالبية دور الأوبرا، فهو لا يتسع لهذا العدد. ونتج عنه كذلك التفكير في كيفية جلوس عازفي مختلف الأقسام بحيث يتمكن قائد الفرقة من رؤيتهم جميعا من أجل توجيههم بسهولة. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دعت ڤاگنر إلى التفكير في إنشاء مسرح خاص بأعماله، وهو ما تحقق لاحقاً في بايرويت.

تألفت أوركسترا ڤاگنر من 16 عازف كمان أول ومثلها من الكمان الثاني، وقد أجلس قسم الكمان الأول على يمين قائد الفرقة والثاني على يساره. هذا يعني أن صوت الكمان الثاني سيكون على أشدّه في اتجاه الجمهور بينما صوت الكمان الأول في اتجاه المسرح بسبب طريقة حمل الكمان مائلاً وليس بشكل افقي. وربما كان هذا الاختلاف في اتجاه وجه الكمان وراء طريقة جلوس العازفين في الأوركسترات الأمريكية التي اعتمدها كبار قادة الأوركسترا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، عندما وضعوا الكمان الثاني بعد الأول في يسار المسرح، ومن ثم جاءت الڤيولا في الوسط، وعلى اليمين جلس عازفو الچلو وخلفهم الكونتراباص، بذلك يكون وجه كل الأدوات الموسيقية في مواجهة الجمهور قدر الإمكان. استعمل ڤاگنر كذلك سبع قيثارات في ذهب الراين وست قيثارات في الأجزاء الباقية، أجلس آدام فيشر بعضها في أعلى شرفتين في القاعة على اليمين واليسار في المشهد الرابع من ذهب الراين. ونسمع في الجزأين الأول والثاني أصوات المطارق وهي تضرب السندان على المسرح ومع الأوركسترا في تصوير مميز لطرق الذهب من أجل صنع الخاتم، كذلك إعادة صناعة السيف السحري نوتونگ من القطع المكسورة على يد زيگفريد في الحلقة الثالثة المسماة باسمه. استعمل كذلك عدداً من الأدوات الموسيقية "خارج المسرح" مثل القيثارات مارة الذكر والهورن وغيرها.



الأمسية الأولى: ذهب الراين



©János Posztós Rheingold
©János Posztós


حضرت في 18 حزيران الماضي دراما "ذهب الراين" الحلقة الأولى من رباعية ڤاغنر "خاتم النيبلونگ" على مسرح صالة بيلا بارتوك الوطنية للموسيقى في قصر الثقافة في بودابست، وهي القاعة الأهم في هذا المجمع الضخم الذي افتتح قبل ربع قرن.

تبدأ الأوبرا بتصوير بارع لجريان نهر الراين، حيث استعمل ڤاگنر تقنية أشبه بتقنية حديثة ارتبطت بفيليݒ گلاس هي المينيماليزم، حيث تتكرر الجمل الموسيقية بشكل متواصل لكن مع تحوير صغير كل مرة ما يعطي الإحساس بالجريان وسير الزمن ببطء. تحرس الكنز الموجود في قاع النهر ثلاث حوريات هن عذارى الراين. يظهر القزم آلبَريخ فجأة ويبدأ بمغازلة الحوريات اللاتي تسخرن منه، فيحاول مجدداً حتى يبلغ اليأس منه. يعلم فجأة أن الذهب لا يصله إلا من يتنازل عن الحب تماماً، فيلعن آلبَريخ الحب ومشاعره ويسرق الذهب ويصنع منه خاتماً سحريا. يُجبر آلبَريخ الذي تسلط على شعبه في نيبلونگ أخاه "ميمه" على صنع خوذة سحرية من الضباب تأخذ من يلبسها إلى أي مكان يريده أو يتخذ أي هيئة يرغبها.

في هذه الأثناء يكتمل بناء موطن الآلهة "ڤالهالّا"، ويطلب العمالقة "فافنر" وأخوه "فازولت" اللذان بنيا ڤالهالّا أجرهم، ليس أقل من يد "فريّا" آلهة الجمال والشباب الدائم، أخت "فريكا" زوجة كبير الآلهة "ڤوتان". يحاول ڤوتان التملص من وعده، لأن فقدان فريّا التي تعتني بالشجرة التي تثمر التفاح الذهبي الضروري لديمومة الشباب سيعني شيخوخة الآلهة. يأتي "لوگه"، إله النار المكّار بحيلة، يخبر ڤوتان بأمر آلبَريخ والخاتم والذهب. يوافق العمالقة على أخذ الذهب بدلاً عن فريّأ، لكنهم يأخذونها معهم كرهينة لحين حصولهم على الكنز.

يحتال ڤوتان ولوگه على آلبَريخ يطلبان منه التحول إلى ضفدعة ليثبت قدرة الخوذة السحرية، يمسكان به فور تحوله ولا يطلقانه إلا بعد تسليمه الكنز والخاتم والخوذة. يذعن القزم، لكنه يلعن الخاتم. يتردد ڤوتان في إعطاء العمالقة ما وعدهم به بعد أن افتتن بقوة الخاتم السحرية، لكن الآلهة الأم، "أردا" روح الأرض تظهر من الأعماق لتنبهه إلى اللعنة التي يحملها الخاتم. يعطي كبير الآلهة الكنز للعمالقة، وسرعان ما يتحقق من اللعنة: تنازع الأخوان على تقاسم الثروة، فيقتل فافنر أخاه فازولت ويستحوذ على الكنز. تنتقل الآلهة إلى موطنها الجديد، ڤالهالّا.

قام بدور ڤوتان التنور البولندي توماش كونيَتشني بكل اقتدار، وقد قام بهذا الدور عدة مرات منذ 2016 ولم نشعر بتعب صوته خلال اليومين المتتاليين عندما قام بهذا الدور في الحلقتين الأولى والثانية من الرباعية. وبرز التنور النمساوي نوربرت أرنست بدور لوگه بتمثيله الجيد لهذا الدور من خلال تقمص هذه الشخصية الماكرة الذكية التي لا تشارك مباشرة في الأحداث، فالسلطة والسيطرة ليست مبتغاها. وتميزت هذه الدراما بغلبة المشاركة المجرية في الأدوار الرئيسية الباقية، وكان أداء أغلبهم لا يقل احترافية عن نجوم الأوبرا الأجانب.

الأمسية الثانية: الڤالكيرات


©János Posztós Walküre
©János Posztós


أوبرا الڤالكيرات هي الليلة الثانية من رباعية النيبلونگ، وربما أكثرها تقديماً بمفردها لأنها تمثل قصة كاملة لحالها، وأكثرها شهرة لما تتضمنه من مقاطع تعد من روائع الفنون الأوبرالية. ولا عجب في استعمال المخرج فرانسيس كوݒولا المشهد الأول من الفصل الثالث منها في فيلمه الأيقوني "القيامة الآن" (1979) عند مشهد هجوم السمتيات الأمريكية على القرية الفيتنامية في اختيار موفق. نستدل من شهرة هذا المقطع من الفيلم عظمة ڤاگنر في تصوير المشهد الأصلي من الدراما موسيقياً، فهو يصور قدوم أربع من الڤالكيرات على الخيول للإلتحاق بأخواتهن اللاتي يطلقن صرخات التحية. والڤالكيرات هن بنات كبير الآلهة ڤوتان وظيفتهن أخذ الأبطال الذين يسقطون في سوح القتال إلى موطن الآلهة، الڤالهالّا، لينضموا إلى جيشها. الڤالكيرا "برونهيلده" ابنة ڤوتان من إلهة الأرض "أردا" أحب بناته إليه، هي الشخصية الرئيسية في هذه الدراما.

تبدأ الأوبرا بلجوء "زيگموند" الأعزل إلى بيت "هوندِنگ" حيث تستقبله زوجته "زيگلينده" الجميلة في غيابه وتقدم له المأوى والطعام. زيگموند هو أحد أبناء ڤوتان الذي اعتاد التنكر والاختلاط بالبشر فأنجب من نسائهم أبناء وبنات ضمن خطته لاستخدامهم كوسيلة لاسترجاع الخاتم السحري. يعود هوندِنگ من المعركة فيرى الضيف زيگموند، وهو من العشيرة التي كان يحاربها للتو فيمتنع عن قتله بسبب أعراف الضيافة، لكنه يدعوه للمبارزة في الصباح، وينام. تأخذ زيگلينده زيگموند لتريه السيف الذي عجز الجميع عن سحبه من جذع شجرة غرسه فيها ڤوتان. يسحبه زيگموند بكل يسر، بذلك يحصل على السيف السحري المسمى "نوتونگ"، ويظفر كذلك بقلب زيگلينده، ويعلم في الحال أنها أخته التوأم التي تزوجها هوندِنگ عنوة.

يأمر ڤوتان ابنته برونهيلده بالوقوف إلى جانب زيگموند. لكن زوجته، "فريكا" إلهة الزواج تنبهه إلى خرق زيگموند وزيگلينده شرع الرابط الزوجي، وتطالب بمعاقبة التوأمين بسبب الزنا. يذعن ڤوتان ويعطي برونهيلده أمراً مغايراً للأول. يهرب التوأمان من كوخ هوندِنگ. تنام زيگلينده بسبب الإنهاك والإنفعال، وتظهر برونهيلده لزيگموند وتخبره بأوامر ڤوتان. يعلن زيگفريد بأنه يفضل قتل زيگلينده والجنين على أن يتركهما لوحدهما. تتأثر برونهيلده وتقرر عصيان أمر أبيها. لكن ڤوتان يتدخل في الصراع ويكسر سيف زيگموند بحربته، ويطعنه هوندِنگ فيقتله قبل أن يلقى حتفه على يد ڤوتان الغاضب. تفشل برونهيلده في الحصول على مساعدة من أخواتها، فتأخذ زيگلينده بعيدا لتنقذها ثم تعود لتواجه غضب أبيها بسبب عصيانها أوامره. يحكم ڤوتان على ابنته الحبيبة بالنوم على أن تتزوج أول رجل يوقظها منه. ترتجيه أن يحيطها بلهب لا يعبره إلا من كان بطلاً حتى لا تواجه الخزي بالزواج من أي عابر، ويعد هذا الجزء بين أعظم الأعمال الدرامية في تاريخ الأوبرا.

أجادت السوبرانو الدرامية السويدية أليسابت ستريد دور برونهيلده، وأدّت مع مغني باص باريتون البولندي القدير توماش كونيتشني الذي قام بدور ڤوتان أداء استثنائياً في الجزء الأخير من الدراما. كما أجاد الباص النمساوي ألبرت بيزندورفر دور هوندِنگ بجدارة، ولم يتغير مستوى أدائه الرائع حتى في الحلقة الأخيرة "غسق الآلهة" بعد ليلتين عندما قام بدور هاگن، ابن آلبَريخ.



الأمسية الثالثة: زيگفريد


©János Posztós

©János Posztós


بدأ الجزء الثالث من رباعية النيبلونغ "زيگفريد" يوم 20 حزيران الماضي، بعد النفير الذي عزفته جوقة النحاسيات على شرفة قصر الفنون في بودابست كالعادة، وهو مماثل للتقليد المتبع في مهرجان بايرويت. دامت الامسية أكثر من ست ساعات بضمنها استراحتين طويلتين حتى يحصل المغنون والأوركسترا على بعض الراحة، واستغلالها لتهوية الصالة في تلك الأيام شديدة الحرارة في صيف بودابست.

تلد "زيغلينده" البطل "زيگفريد"، ابن "زيگموند" الذي قتله "هوندِنگ"، لكن زيگلينده تموت أثناء الولادة. يأخذ القزم "ميمه" الطفل ويتعهد بتربيته أملاً في استغلال البطل زيگفريد من أجل الاستحواذ على الكنز، فهو الوحيد الذي لا يعرف معنى الخوف والقادر على قتل التنين "فافنر" القابع في المغارة حسبما أخبره "ڤوتان" الذي يزوره متنكراً بهيئة شيخ جوّال، ويعطيه سيف زيگموند المكسور. يحاول ميمه إصلاح السيف دون نجاح، لكن زيگفريد الشاب يفلح في طرقه وإصلاحه، ويمسك السيف السحري "نوتونگ" بيده. يخلط ميمه خلال ذلك شراباً ساماً ليقتل به زيڰفريد بعد الانتهاء من قتل التنين لينفرد بالكنز، ثم يأخذه إلى المغارة. يثقف زيگفريد قلب التنين بسيفه ويقتله، لكن يده تحترق من دم التنين، فيرفعها إلى فمه. تحدث أعجوبة، فقد أصبح قادراً على فهم ما تقوله الطيور وما تدمدم به الغابة. ينصحه الطير بأخذ الخاتم والخوذة فقط، ويحذره من مكيدة ميمه الذي اقترب منه ليعطيه كأس السم، فيضربه بالسيف ويقتله فوراً، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يعرفه في هذا العالم. يخبره الطير كذلك قصة الجميلة النائمة، ويقوده إليها.

يقف ڤوتان في طريق زيغفريد متردداً، هل يعطيه ابنته الحبيبة إلى قلبه؟ لكن البطل الشاب يحطم رمح ڤوتان رمز سلطته بسيفه السحري، ويمضي ليعبر جدار اللهب ويقبل "برونهيلده" النائمة بدرع الفالكيرات فتستيقظ. يقع زيغفريد في حب برونهيلده التي لا تتقبل الأمر في البداية، لكن حب البطل الشاب الجارف ينتصر في النهاية.

نجد في الجزء الثالث من الرباعية شيئاً من أجمل المقاطع التي كتبها ڤاگنر، مثل "همهمة الغابة" التي تعد بين أشهر الصور الموسيقية للتعبير عن الطبيعة، كذلك الثنائي الغرامي بين زيگفريد وبرونهيلده في الفصل الثالث، وقد استعمل ڤاگنر مادته الموسيقية في تأليف القصيدة السيمفونية الرقيقة المسماة "Siegfried Idyll" لفرقة الحجرة، وكانت هديته لزوجته كوزيما ليست بمناسبة ولادة ابنهما اللذان أسماه "زيگفريد" سنة 1869. نلمس في هذا الجزء كذلك بعض آراء ڤاگنر، فهو يصوّر بالتنين الجاثم على الكنز جشع المصرفيين المسيطرين على خزنة الأموال في المجتمعات الرأسمالية. ويشير كذلك تحطيم سلطة ڤوتان إلى النهاية القريبة لسلطة الجشع والذهب، والحلم بقيام نظام جديد تستند قيمه إلى المحبة والعلاقات الإنسانية السامية.

أجاد التنور الدنماركي ماگنوس ڤيگيليوس تقديم دور زيگفريد، غناءاً وتمثيلاً، وأدت دور برونهيلده السوبرانو البولندية ماگدلينا آنّا هوفمان، ومثّل آلبَريخ الباريتون الألماني يوخن شمَكِنْبَشَر الذي قدّم نفس الدور في الأوبرات الأولى والثالثة والرابعة من الرباعية باقتدار.


الأمسية الرابعة: غسق الآلهة


©Thaier Saleh


الجزء الأخير والأطول من رباعية ڤاغنر "خاتم النيبلونگ"، والتي تترجم عادة إلى العربية "غسق الآلهة"، لأنها تصور فناء الآلهة والتهام النار موطنها ڤالهالّا. استند ڤاگنر في صياغتها إلى الميثولوجيا النورسية (الآيسلندية) التي تتحدث عن حرب طاحنة يسقط فيها أغلب الآلهة وتنتهي إلى عدد من الكوارث الطبيعية بضمنها دمار العالم بالنار وتنتهي بغرقه في طوفان شامل، قبل أن تولد الأرض من جديد بعد تطهرها بالنار والماء ليسكنها الإنسان الأول. تشير تسمية "گيبيشونگ" في الأساطير إلى مملكة يحكمها "گونتر" (گونار بالأيسلندية) بالأصل، لكن ڤاگنر يقصها علينا بشكل آخر.

تبدأ الأوبرا بمحاولة إلهات المصير الثلاث التنبؤ بالمستقبل دون طائل، فحبل المصير ينقطع فجأة عندما يحاولن معرفة ما سيحصل للخاتم ولعنة آلبَريخ. يودّع زيگفريد برونهيلده ويترك الخاتم عندها ويأخذ الخوذة السحرية معه وينطلق بحثاً عن مغامرات جديدة.

يأخذنا الفصل الأول إلى "گيبيشونگ"، وهي مملكة گونتر الذي ينصحه هاگن (أخوه من أمه، ابن القزم آلبَريخ) بالزواج من برونهيلده وتزويج أخته گوترونه من البطل زيگفريد. يعطي هاگن شرباً سحرياً لگوترونه حتى تسقي زيگفريد منه فتجعله ينسى حب برونهيلده التي لا تزال على قمة الجبل محاطة باللهب السحري الذي صنعه اله النار لوگه. يصل زيگفريد مملكة گونتر ليلتقي بالملك الذي يستقبله أحسن استقبال. تسقيه گوترونه الشراب السحري فينسى برونهيلده وحبه لها، ويقع في غرام مضيفته. يتعاهد البطلان زيگفريد وگونتر على الأخوة ويختما العهد بدمهما، ويتعهد زيگفريد مساعدة گونتر على الظفر بيد برونهيلده وينطلقان إلى جبلها تاركين هاگن وراءهما لحراسة المملكة. تزور ڤالتراوده في هذه الأثناء اختها برونهيلده وتخبرها بأمر فقدان ڤوتان سلطته بعد كسر رمحه، ثم ترجوها إعادة الخاتم الملعون إلى عذارى الراين، لكن برونهيلده ترفض، لا تريد كسر وعدها لحبيبها زيگفريد الذي أعطاها الخاتم حتى تحفظه.

يلبس زيگفريد الخوذة السحرية ويتنكر بهيئة گونتر، ثم يجتاز جدار اللهب، وينجح في انتزاع الخاتم من يد برونهيلده التي قاومته دون جدوى ويضعه في إصبعه. يقضي الليل مع برونهيلده واضعاً بينهما السيف نوتونگ حاجزاً حتى يفي بوعده لگونتر بعدم لمسها. تتفاجأ برونهيلده عند وصولها مع گونتر الحقيقي إلى مملكته بوجود جمع من المحاربين المستقبلين وزيگفريد مع گوترونه وفي إصبعه الخاتم، وتفهم أنه قد خانها. تتهم گونتر أمام الجميع بأنه كذّاب وأنه يتباهى بأعمال فعلها آخرون، وتتهم زيگفريد كذباً بمضاجعتها، ما يعني أنه خان عهده مع گونتر. يقسم زيگفريد برأس حربة هاگن بكل ثقة بأنه لم يضاجع برونهيلده قط، وتقسم برونهيلده والباقون على الحربة كذلك. لا يحضر گونتر وهاگن وبرونهيلده حفل العرس المزدوج، بل يتجمعون عند ساحل الراين ويخططون لقتل زيگفريد الذي خان العهود. تخبرهم برونهيلده بنقطة الضعف الوحيدة عند زيگفريد، وهي الطعن في الظهر.

أخذ گونتر الجميع في اليوم التالي إلى الصيد في الغابة لتنفيذ مخطط قتل زيگفريد الذي ينفصل عن الباقين فيلتقي عند الراين بالعذارى اللائي يطلبن منه إعادة الخاتم إليهن ليتخلص من اللعنة التي يحملها. لكنه يعلن بثقة البطل أنه مستعد للموت على المساومة على حياته بهذه الطريقة. تنبأه العذارى بأنه سيموت اليوم قبل أن يعدن إلى الأعماق. ينضم زيگفريد مجددا إلى الصيادين، ويبدأ بقصّ قصة حياته وتعداد بطولاته منذ أيام نشأته عند ميمه حتى حدادة سيف أبيه السحري نوتونگ ثم قتله التنين. عندها يسقيه هاگن مصلاً آخر مضاداً للأول الذي سقته إياه گوترونه، فيتذكر اقتحامه جدار اللهب ويقص على الجمع كيف قبّل برونهيلده وجعلها تفيق من نومها. حصل المتآمرون على الدليل: كذب زيگفريد في القسم الذي أقسمه على الرمح. يطعنه هاگن في ظهره بحربته بعد هذا الدليل. لا يتذكر زيگفريد حبه لبرونهيلده إلا في آخر لحظة من حياته.

تقدم الأوركسترا قطعة موسيقية بديعة بعنوان مارش زيگفريد الجنائزي تستعرض فيه الكثير من الألحان المميزة لزيگفريد (الثيمات الدالة) في نسيج أوركسترالي مؤثر حيث يتنقل ڤاگنر من لحنٍ لآخر ببراعة. وكثيراً ما تعزف هذه القطعة بمفردها في قاعات الموسيقى لجمالها.

يصل موكب تشييع زيگفريد إلى القصر وعلى رأسه گونتر، لتتفاجأ گوترونه بجثمان زوجها. يلقي گونتر باللوم على هاگن الذي ردّ أن زيگفريد حنث بقسمه، وأن الخاتم أصبح من حصته. يعترض گونتر فيتبارز الإثنان حتى يقتله هاگن بسيفه. يهمّ هاگن بانتزاع الخاتم من إصبع زيگفريد، لكن يد القتيل ترتفع مهددة، فيتراجع هاگن ومن معه وقد أخذ بهم خوف شديد. تصل برونهيلده التي أصبحت ملكة على مملكة زوجها گونتر بعد وفاته، وتعلن براءة زيگفريد بعد أن أيقنت أن خيانته لها جاءت بسبب مؤامرة. تأمر برونهيلده أتباعها بتجهيز محرقة لحرق جنازة البطل الميت زيگفريد عند النهر، وتوصي بأخذ الخاتم من الرماد وإرجاعه إلى عذارى الراين اللائي أخبرنها بقصّة لعنة الخاتم. فكّرت أن أباها ڤوتان سيرقد أخيراً بسلام، وأرسلت إلى لوگه، إله النار الذي لا يزال يحترق في جدار اللهب عند صخرتها، ليطير إلى ڤالهالّا ويضرم النار فيها. أشعلت برونهيلده المحرقة بعد تأبينٍ أخيرٍ للبطل، ثم امتطت حصانها الحبيب گران واقتحمت النيران لتنضم إلى حبيبها زيگفريد وتتوحد معه في الموت.

تلتهم النيران القاعة وتنهار، يفيض الراين ويصل المكان المحترق حيث يحاول هاگن انتزاع الخاتم الذي زالت عنه اللعنة بعد تطهيره في النار، غير أن عذارى الراين يمسكن به ويسحبنه إلى أعماق الراين بينما نسمع موتيف اللعنة للمرة الأخيرة. تشتعل نار جديدة تلتهم هذه المرّة ڤالهالّا بمن فيها من آلهة.


©János Posztós



خاتمة


يصوّر ڤاگنر في رباعية النيبلونگ المجتمع البشري على لسان الآلهة وأنصاف الآلهة، بذلك يضع أمامنا مختلف المشاعر الإنسانية الناجمة عن أنواع الأزمات ويعكس الانفعالات الداخلية للشخوص على تنوعها بطريقة بارعة. يأخذنا ڤاگنر إلى ذهب الراين رمز الجشع الرأسمالي وبناء مجمع الآلهة على قمة جبل ڤالهالّا ثم انهياره في الختام، كأنه يصوّر قيام المجتمع الرأسمالي وأزمته ثم انهياره. جوهر الصراع هو السيطرة على السلطة والثروة، ونجد فيه كل شيء معتاد في المجتمعات البشرية وصفاتها في الخيانة والكذب والجشع والعنف ونقض العهد مقابل قوة الحب والإخلاص والتضحية.

تقديم رباعية بهذا الحجم والتعقيد على امتداد أربعة أيام متتالية بمستوى احترافي هو شيء غير معتاد بالتأكيد، حتى في مهرجان بايرويت الذي انتهى في 26 آب 2026، فقد قدمت الرباعية خلال فترة ست ليال سبع ليال. هذا ينطبق على المغنين بالدرجة الأولى، بالخصوص الذين يظهرون في أمسيتين أو أكثر مثل ڤوتان وآلبَريخ وبرونهيلده الذين يظهرون في ثلاث من الحلقات. نبرز هنا الباريتون الألماني يوخن شمَكِنْبَشَر الذي أدّى دور آلبَريخ في المرات الثلاث، وأدّى نفس الدور في مهرجان بايرويت مؤخراً. يستحق البولندي توماش كونْيَتشني الذي قام بدور ڤوتان في ذهب الراين والڤالكيرات الثناء، فهو الدور الرئيسي في هاتين الأمسيتين ويتطلب تقديمه قدرات استثنائية. أما برونهيلده فقد قدمتها ثلاث مغنيات سوبرانو خبيرات: السويدية أليسابت ستريد، والبولندية ماگدلينا آنا هوفمان (قامت بدور زيگلينده كذلك في الڤالكيرات) والألمانية دانييلا كولر، والسبب في تقديري هو تجنيب صوت السوبرانو الإجهاد وخطر تعرض الحبال الصوتية للإصابة في هذا الدور الرئيسي الصعب.

تمكن المايسترو آدام فيشر من إدارة المغنين على المسرح وقيادة فرقة الراديو المجري السيمفونية والكورس التابع لها ليقدموا أفضل ما عندهم. وتستحق الفرقة التقدير، فقد عزفت كل الأوبرات المقدمة في المهرجان على امتداد أربعة أسابيع، وهذا الدور لا يتوافق تماماً مع طبيعة فرق الراديو التي تحددها مهامها المرتبطة بالبث الإذاعي.

أخيرا لا بد من كلمة بحق الصالة التي صدحت فيها أصوات المغنين وموسيقى الأوركسترا بكل وضوح، فهي تمتلك مواصفات صوتية (أكوستيكية) متميزة. صممها المهندس الأمريكي الشهير فريدريك راسل جونسون (1923 - 2007) الذي أحدث ثورة في تصميم القاعات الموسيقية، فقد عاد إلى تصميم القاعات القديم المسمى "علبة الأحذية" بأفكار وحلول جديدة، وابتكر استعمال القواطع المتحركة لتغيير خصائص الصوت في القاعات وفقاً لطبيعة العمل المقدم وحجم ونوع الأوركسترا. انتشر اليوم ابتكاره في استعمال أجزاء متحركة في سقف القاعة عند المسرح يمكن تغيير ارتفاعها واتجاهها وترتيبها، وهو ما نراه في قاعة بارتوك وقاعة مالمو لايف وبيت الراديو الدنماركي في كوبنهاگن مثلا. وتعتبر الصالة التي تتسع لـ 1656 شخص في طليعة أفضل الصالات العالمية على صعيد الأكوستيك، وهو ما لمسناه عند الجلوس في الشرفة الأولى آخر القاعة مقابل المسرح.

نودع رباعية النيبلونگ ومقاعدنا مضمونة لحضور "الهولندي الطائر" و"تريستان وإيزولده" في مهرجان أيام ڤاگنر في بودابست العام القادم.
©Thaier Saleh














الجمعة، 3 أبريل 2026

إيڤان فيشر وسيمفونية مالر الثالثة

تعودت على ترقب حفلات فرقة بودابست الاحتفالية (Budapest Festival Orchestra BFO) وحضورها قدر الإمكان لعدة أسباب. السبب الأول هو متابعتي نشاط الفرقة في بودابست منذ تأسيسها في ثمانينات القرن الماضي، الثاني هو تأسيسها من قبل إثنين من أبرز الموسيقيين المجريين هما قائد الأوركسترا إيڤان فيشر (احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين قبل أقل من شهر) بالتعاون مع عازف البيانو المعروف زولتان كوچيش (1952 - 2016) وهي تضم خيرة العازفين المجريين، وأخيراً بسبب عمل الصديق قصي حسين قدوري فيها كعازف چلو منذ 20 سنة.

استمعت هذه المرة إلى سيمفونية مالر الثالثة مساء 31 كانون الثاني 2026 في بودابست، وكانت أكثر من رائعة، كالعادة.

حازت فرقة بودابست الاحتفالية وقائدها إيڤان فيشر على الكثير من الجوائز والتكريم، وحصل عدد من تسجيلاتها على جوائز گرامي. وهي بحسب استفتاء مجلة هيئة الاذاعة البريطانية واحدة من أفضل عشر فرق موسيقية في العالم إلى جانب اوركسترا كليڤلاند وشيكاغو السيمفونية وفرق لوس أنجليس ونيويورك وڤيينا وبرلين الفيلهارمونية وغيرها. الفارق بين هذه الفرقة والفرق التسعة الباقية هو العمر. فقد تأسست الفرقة سنة 1983 بينما يبلغ عمر الفرق الباقية أكثر من قرن، إذ تأسس أغلبها في القرن التاسع عشر (مثلا تأسست فرقة ڤيينا الفيلهارمونية في 1842).

تتميز فرقة بودابست الاحتفالية بتقديم مختلف الأعمال الموسيقية بأرقى مستوى ابداعي واحترافي. وتعمل دائماً على ابتداع طرق جديدة لنشر الثقافة الموسيقية بين مختلف شرائح المجتمع. فهناك حفلات خاصة يستهدفون بها الشباب من خلال حفلات منتصف الليل، والأطفال المصابين بالتوحد (حفلات الكاكاو)، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء، وتقدم الفرقة بمختلف تشكيلاتها حفلات مجانية اجتماعية مختلفة.

وهناك تشكيلات مختلفة تضم عازفي الفرقة الرئيسية بحسب الإهتمام، إذ ينتظر إيڤان فيشر من العازفين الانخراط بنشاط في تقديم الحفلات في هذه التشكيلات، مثل موسيقى الباروك أو الرباعيات الوترية وغيرها.

وقد أسس إيڤان فيشر مهرجان أوبرا سنوي في مدينة ڤيچنزا (Vicenza) الإيطالية من أجل تقديم أوبرا واحدة كل عام بقيادته وإخراجه، بالتعاون بين فرقته الاحتفالية مع قصر الفنون في بودابست (Müpa) ومدينة ڤيچنزا وفرقة أوبرا إيڤان فيشر ويقوم بالأدوار الرئيسية مغنون عالميون. وتقدم هذه الأوبرا في دار أوبرا المدينة (Teatro Olimpico) التي افتتحت في سنة 1585. قدم المهرجان منذ انطلاقه في 2018 لحد الآن أوبرات لجوسَپّه ڤردي وكلاوديو مونتڤردي وبنجامين برتن وكلود ديبوسي وريشارد شتراوس. وسيقدم المهرجان هذا العام أوبرا موتسارت العظيمة "الفلوت السحري". وقد نفذت تذاكر المهرجان الذي سيقام بين 23 - 26 تشرين الأول القادم منذ زمن طويل.

تحصل اوركسترا بودابست الاحتفالية على دعم من الحكومة المجرية ومن بلدية العاصمة بودابست، لكن الخلاف بين الحكومة التي يقودها أوربان وعمدة العاصمة الذي ينتمي للمعارضة يؤثر على مستوى الدعم السنوي بسبب اقتطاع حكومة اوربان مبالغ كبيرة من ميزانية العاصمة مؤخراً دون وجه قانوني.



أنجبت المجر (هنغاريا) العديد من قادة الأوركسترا البارزين منذ تأسيس أكاديمية الموسيقى في بودابست سنة 1875، وكنتاج لهذا التأسيس. وكثيراً ما نصادف على أغلفة التسجيلات الموسيقية أسماء قادة أوركسترا مجريين كبار مثل دوهناني، دونات، دوراتي، لهل، أورماندي، شولتي، ڤاينر وآخرين. ويعتبر إيڤان فيشر (وأخوه آدام فيشر) اليوم أحد أهم قادة الأوركسترا المجريين المعروفين على نطاق عالمي. من الصعب تخيل النجاح الذي تحصل عليه دولة صغيرة مثل المجر (9 ملايين نسمة) في مجال الموسيقى من دون نظام تربية موسيقية فعّال يتواصل من دور الأطفال حتى الدراسات الأكاديمية، ولا بد هنا من الإشارة إلى ما يعرف بطريقة كوداي للتربية الموسيقية التي تنمي في الأطفال حب الموسيقى والفهم الصحيح لها. وليس اعتماد اليابان هذه الطريقة بشكل واسع سوى مدخل لفهم النجاحات التي وصلتها الموسيقى في هذا البلد.



ولد فيشر في بودابست مطلع عام 1951 في عائلة موسيقية، أبوه قائد اوركسترا وامه مغنية اوبرا. منهما ورث قيادة الأوركسترا وحب الأوبرا على ما يبدو. درس العزف على البيانو والكمان والچلو ثم اتجه لقيادة الأوركسترا ودرس في ڤيينا حيث عمل مساعداً للمايسترو نيكولاوس هارننكورت لمدة سنتين. قاد بعدها عدداً من الفرق الشهيرة مثل اوركسترا لندن السيمفونية وفرق البي بي سي. أسس فرقة بودابست الاحتفالية في 1983 وقادها من نجاح إلى نجاح حتى وصلت المرتبة الراقية التي نشهدها اليوم. دائم الحركة والتجديد والتجربة، لا يرضخ للتقليد وهذا ما نراه في تعامله مع فرقته. فقد حولها الى ورشة عمل دائم فيها مختلف التشكيلات الفرعية: يقدم أعضاؤها الكثير من حفلات موسيقى الحجرة من الباروك حتى الجاز والموسيقى الشعبية المجرية. وقد ساعد هذا التوجه على تطوير قابليات أعضاء الفرقة بما يتناسب مع اهتماماتهم في ذات الوقت. 

يتعامل فيشر مع النص الموسيقي باحترافية عالية، واعتاد تغيير طريقة جلوس العازفين حسب العمل الموسيقي، فقد ابتعد من الشكل الذي فرضته الفرق الموسيقية الأمريكية في خمسينات القرن الماضي واعتمدته الفرق العالمية من بعدها: كمان أول كمان ثاني ڤيولا چلو وخلفه الكونترباص الخ. توزيع أقسام الأوركسترا عنده خاضع للنص، وهذا يعطيه حرية أكبر في التعبير الموسيقي عن العمل. فعند تقديم سيمفونية مالر الثالثة أجلس الكمان الأول والچلو وخلفهم تسعة من عازفي الهورن الفرنسي على يسار المسرح حتى وسطه، بينما وضع عازفي الڤيولا أمامه في الوسط حتى اليمين والكمان الثاني على يمينه، وفوقهم بقية النحاسيات. احتلت الخشبيات قلب المسرح، خلف الچلو والڤيولا. التجديد هو وضع عشرة من عازفي الكونترباص على منصة في وسط المسرح خلف الخشبيات لتعزيز دورهم، وخلفهم أدوات الإيقاع المختلفة على امتداد المسرح كما نراه في صورة الحلقة الأولى الأسبوع الماضي. النتيجة هي متعة صوتية فريدة وغير معتادة، يشيد بها متذوقو الموسيقى الجادون حيثما تقدم الفرقة حفلاتها. بالمناسبة يعتبر فيشر أحد أهم مترجمي أعمال مالر الحاليين على صعيد عالمي.

يهتم فيشر بالأوضاع في إسرائيل وفلسطين بسبب تحدّره، ويتبنى موقفاً مشابها لما يتبناه زميله الشهير بارنبويم يتلخص في ضرورة الوصول إلى حل الدولتين عبر التخلص من المتطرفين لدى الجانبين.



عُرف گوستاڤ مالر (1860 - 1911) بحبه للطبيعة، وكان ينزوي أثناء عطله الصيفية خلال عمله في هامبورغ في كوخ صغير يقع في قرية نمساوية صغيرة هي شتاينباخ الواقعة على بحيرة آتر. بدأ مالر بتأليف سيمفونيته الثالثة سنة 1893 في هذه الجنّة الأرضية وانتهى منها في 1896 قبل أن يستلم إدارة أوبرا البلاط في ڤيينا (أوبرا الدولة الآن) في 1897. موضوع السيمفونية الصيف والزهور وحيوانات البر، وقد وصف سيمفونيته الثالثة "وجدت كل الطبيعة صوتاً لها في هذه السيمفونية". وتعدّ هذه السيمفونية أطول سيمفونية كتبت ولا تزال تقدم، إذ يستغرق أداؤها حوالي 100 - 110 دقائق، وتتألف من ست حركات. هيّأ مالر وصفاً لحركات السيمفونية في مطبوع حفل الافتتاح سنة 1902 قبل أن يغير رأيه ويحذفه منه. وبحسب شهادات المقربين منه كانت مواضيع حركات السيمفونية الست هي: الأولى تصوّر "استيقاظ ݒان (إله البرية والرعاة والمواشي في الميثولوجيا الإغريقية) من سباته ودخول الصيف"، وهي أطول الحركات الست. الحركة الثانية "ما تقوله لي الزهور في الحقل"، وقد أستبدل إيڤان فيشر عصا القيادة بوردة روز (جوري) بيضاء في هذه الحركة لتوكيد ذلك. الحركة الثالثة "ما تقوله لي الحيوانات في الغابة"، الرابعة "ما يقوله لي الإنسان"، الخامسة "ما تقوله لي الملائكة" وأخيرا السادسة، "ما يقوله لي الحُب".



كتب مالر هذه السيمفونية بالغة الطول لأوركسترا كبيرة، فقد شغلت أوركسترا بودابست الاحتفالية كل مسرح القاعة الكبرى في قصر الثقافة في بودابست المسماة قاعة بيلا بارتوك التي تتسع لـ 1656 مقعد. الأوركسترا رباعية، أي أنها تضم أربع أدوات في كل قسم، مع بعض الاختلافات، فقد استعمل مالر ثمانية من أدوات الهورن الفرنسي وهورن بريد (خارج المسرح في الحركة الثالثة)، وقد اعتاد مالر استعمال عددا كبيرا من الهورن في سيمفونياته. استعمل كذلك خمس أدوات كلارينيت، وقيثارتين، وقسم إيقاع معزز بالكثير من الأدوات مثل الأجراس التي يضع بعضها على شرفة عالية كما هو الحال في سيمفونيتيه الثانية والثالثة. واشتركت مغنية من طبقة آلتو في غناء نص "أغنية منتصف الليل" من عمل گوته "هكذا تكلم زرادشت" في الحركة الرابعة، ونص من أغاني ألمانية قديمة "هورن الفتى العجيب" في الحركة الخامسة، أسهم معها في الغناء كورس نسائي وكورس أطفال في الحركة الخامسة فقط. 

قيادة مثل هذه الفرقة الكبيرة ليست سهلة، وقيادة أعمال مالر ليست سهلة كذلك، وهنا يبرز دور قائد الأوركسترا بشكل واضح. ويفاضل المالريون (وهم المتحمسون لموسيقى مالر) بين قادة الأوركسترا، ويصنفونهم حسب ادائهم أعمال مالر. وكثيراً ما اعتبروا قادة اوركسترا معروفين وشهيرين ضعفاء في تقديم وترجمة أعمال مالر. لكن إيڤان فيشر ليس بين هؤلاء، بل يعتبره المالريون من افضل مترجمي أعمال مالر اليوم. فهو قادر على استخراج أفضل الطاقات من عازفي فرقته، وهو أمر يمكن الشعور به فوراً في القاعة. يتميز ما يقدمه إيڤان فيشر مع فرقة بودابست من أعمال مالر بانسيابية غير معتادة مقارنة مع تقديم قادة الفرق الأخرى، وهذا يجعل الاستمتاع بعالم موسيقى مالر أكثر عمقاً، تفقد المستمع الإحساس بالزمن.






الثلاثاء، 27 يناير 2026

موتسارت الاعجوبة

 تمثال موتسارت في ڤيينا 


البدايات 


 تقول الرواية أن الملائكة تغني أعمال باخ عندما تمجد الرب، لكنها تغني أعمال موتسارت عندما تكون لوحدها. ليس في هذا مبالغة، فسيرة حياة ڤولفگانگ أماديوس موتسارت القصيرة استثنائية بمعنى الكلمة، تقص كيف تحول الطفل الأعجوبة إلى موسيقار اسطوري. كان ذهنه يفكر بطريقة موسيقية، وكان يؤلف أعمالا موسيقية معقدة في ذهنه قبل أن يسطرها على الورق. وكثيراً ما كان يقضي الليل مع أصدقائه بينما كان يرتب في ذهنه اللمسات الأخيرة على عمل جديد سيقدم في اليوم التالي، بحيث يستلم العازفون المدونة الموسيقية ولم يجف الحبر عليها بعد. بانت موهبة ڤولفگانگ (ڤولفي) في سن مبكرة، وكان يتعلم بسرعة كل ما كان الأب الموسيقى ليوپولد موتسارت يعلم اخته ماريا أنّا (نانرل) التي تكبره بأربع سنوات. بدأ يؤلف أعماله الموسيقية الخاصة به في سن الخامسة، قطع بيانو قصيرة، لكنها مؤلف موسيقي كامل البنية. أخذ الأب ليوپولد طفليه عندما كان موتسارت في السادسة في زيارة إلى الامبراطورة ماريا تيريزا، لعرض مهاراتهما. فاقت النتيجة التوقعات، فقد حصل الأب على 450 فلورين ذهب، وهي أكثر من دخله السنوي، وحصل الأطفال على ملابس فاخرة من الملابس التي ضاقت على أبناء الامبراطورة. قام الأب مع طفليه وزوجته أنّا ماريا وطفليه بزيارات لعدد كبير من المدن الأوروبية بلغت 88 مدينة، حيث قدم الأطفال حفلات موسيقية أمام الملوك والنبلاء والأثرياء، منها لندن حيث ألف موتسارت السيمفونية الأولى بعمر 8 سنين. لم يصدق الناس هذه المهارات من طفل بهذا العمر، قال بعضهم أنه رجل بالغ لكن مظهره مظهر الطفل. ومع زيادة الشكوك حول هذه العبقرية، اختبرته الجمعية الملكية البريطانية، وأقرت بأن موتسارت طفل عبقري بالفعل. كبر موتسارت، وحصل على عمل عند هيرونيموس فون كولوريدو أمير واسقف زالتسبورگ. لكنه كان يعامل موتسارت كأحد خدمه، ليس أعلى مرتبة من الطباخ أو البستاني، مما أثار حنق موتسارت الشاب. نوى موتسارت وأبوه القيام بسفرة جديدة بعمر الحادية والعشرين، لكن شرط الأمير الأسقف أن الإجازة ستكون بدون مرتب، وما كان ليوپولد قادراً على البقاء بدون مورد. هذه المرة رافقته أمه، فقد أصرّ أبوه على ذلك لأن ڤولفگانگ لا يزال طفلاً بحسب رأيه، وبما أنه لا يستطيع مرافقته. وصل موتسارت وأمه آنّا ماريا مدينة مانهايم في 1777، حيث توجد أعظم فرقة في أوروبا، هي فرقة بلاط مانهايم. عرض موتسارت على الأمير أن يعمل قائداً للفرقة، لكن الأمير لم يكن راغباً في ذلك، إذ لم يكن موتسارت قد أصبح موتسارت بعد. اضطر إلى تدريس العزف على البيانو من أجل إعالة نفسه وأمه التي رافقته، وكانت تلميذته ألويزيا ابنة فريدولين ڤيبر موسيقي في فرقة البلاط، وهو عم الموسيقي الألماني كارل ماريا فون ڤيبر (1786 - 1826). أحبّ موتسارت بصدق الفتاة التي كانت بارعة في الغناء، فألف قطعة غنائية رائعة لألويزيا (KV294) سنة 1778 عبّر فيها عن حبه لها. بدأ يخطط لزيارة المدن الأوروبية معها، لكن أبوه وقف بوجه هذه العلاقة وأجبره على ترك الفتاة والذهاب مع أمه إلى باريس.

باريس


 لم يحب موتسارت باريس، ولم يحب الموسيقى الفرنسية وأحس بأن هناك من يحيك الدسائس ضده، خوفاً من نجاحه في باريس. عُرضت عليه وظيفة عازف أورغن في ڨرساي، لكنه رفضها لضعف الراتب الموعود. مع ذلك وجد موتسارت في المدينة التي بدأت تتغير نحو عصر جديد فرقة يتعامل معها: كونسير سݒيريتويل. تقاطع مشروع هذه الفرقة مع المألوف في الموسيقى وقتها، فهي تقدم الموسيقى لمن يقتني التذاكر، لا لكنيسة ما أو أرستقراطي. كان جوزف لو گرو مدير الموسيقى ومؤسس الفرقة متفتحاً على التعامل معه، فكلفه بكتابة سيمفونية للفرقة التي كان يحلم بالكتابة لمثلها: 21 كمان 8 تشيلو 4 فيولا و 4 كونتراباص وقسم هوائيات كامل. كانت سيمفونية رقم 31 (KV297) أول نجاح كبير له في باريس. لكن تلك النشوة قطعتها بعد أيام وفاة أمه التي مرضت في الطريق إلى باريس. في تلك الأيام العصيبة ألف موتسارت واحداً من أرقّ وأعظم أعماله للبيانو: سوناتا رقم 9 في لا الصغير (KV310). ساءت العلاقة بين ڤولفگانگ وليوپولد الذي قرّع ابنه على إهماله أمه، فكثيراً ما نزلا في سكن رخيص وسيء التدفئة. ثم أخذ بعد وفاتها يبتز ابنه عاطفياً، فقد ألقى اللوم عليه لوفاة أمه بهدف تعزيز سيطرته عليه، واستمر في العزف على هذه النغمة في السنين اللاحقة كلما استدعى الأمر: تركت أمك تموت في باريس. طلب ليوبولد منه العودة فوراً إلى زالتسبورگ، والتقدم على وظيفة عازف أورغن البلاط. لكن موتسارت لم يستعجل العودة، مر في طريق عودته على مانهايم. تغيرت المدينة جذرياً منذ زيارته الأخيرة لها، فقد انتخب أميرها ملكاً على باڤاريا، فترك مانهايم وانتقل إلى العاصمة ميونيخ، كذلك انتقلت ألويزيا وعائلتها إلى ميونخ. وبالتزامن مع هذا التغيير جرى حلّ فرقة مانهايم الموسيقية الشهيرة. ذهب موتسارت إلى ميونخ هو الآخر، لكنه لم يحصل على مبتغاه في وظيفة جيدة ولم يحصل على تكليف بكتابة أوبرا في ميونيخ، فوق ذلك لم تشأ ألويزيا التي صعد نجمها في أوبرا ميونيخ الارتباط به. مع ذلك بقي الاثنان على علاقة طيبة، إذ قامت ألويزيا بأداء عدد من الأدوار في الأوݒرات التي ألفها موتسارت لاحقا. اضطر موتسارت في كانون الثاني 1778 العودة إلى خدمة فون كولوريدو وقبول وظيفة عازف أورغن البلاط رغم المشاكل مع الأسقف الذي لم يحسن التعامل مع هذا العبقري المتمرد. مرّ الوقت بطيئاً، وكان الأب يلجم من جماح الابن ويمنعه من القيام بحماقات في بلاط الأسقف. فجأة، تلقى موتسارت في خريف 1780 طلباً من أمير مانهايم لتأليف أوبرا. بهذا كتب موتسارت أول عمل أوبرالي كبير له هو إدومنيو (KV366) الذي عرض في ميونيخ للمرة الأولى في 1781. نجد في هذه التحفة الفنية أصداء الحياة التي عاشها موتسارت نفسه وعلاقته بأبيه، فهي تتحدث عن الصراع بين ملك وابنه الذي يتوج في ختام الأوݒرا ملكاً بعد اضطرار أبيه إلى التنحي عن الحكم.
 

 ڤيينا


 ساءت علاقة موتسارت بالاسقف وحاشيته فقدم استقالته التي لم تقبل على الفور. قرر موتسارت ترك زالتسبورگ في 1781 والذهاب إلى ڤيينا وتقرير مصيره بنفسه، بعيداً عن الاسقف وأبيه وهو بعمر 25 سنة. كانت ڤيينا عاصمة أوروبا الثقافية في ذلك الوقت. كان طموحه الحصول على منصب كبير في فرقة موسيقى البلاط، لكنه بطبيعته كان شخصاً لا يحسن التملق، متمرداً على التقاليد الموسيقية. لذلك سرعان ما أيقن البلاط أن موتسارت برغم فرادته وعبقريته، لا يصلح أن يكون جزءاً من مؤسسة البلاط مع مواصفاته هذه. أقام موتسارت في البداية عند معارفه القدماء، آل ڤيبر، عائلة حبيبته القديمة التي شقت طريقها بنجاح في الحياة. بدأ بتدريس البيانو ليضمن مصاريف سكنه البسيطة وقوته اليومي. وهناك وقع في حب أخت ألويزيا الأصغر، كونستانتسه، التي كانت بدورها مغنية حصلت على تدريب ممتاز مثل اختها. لكن الأب ليوپولد لم يبارك زواجهما وعارضه، فحاول موتسارت إصلاح الأمر عندما أخذ زوجته إلى زالتسبورگ لتقديمها إلى العائلة. لم يجر اللقاء كما خطط له موتسارت، إذ لم يفلح في تطبيع العلاقة العائلية المتوترة. لم تكن أخته سعيدة كذلك، فقد عانت هي الاخرى من سطوة الأب الذي رفض المتقدمين للزواج منها. والآن بدأت تشعر بالظلم لرؤية سعادة أخيها وزوجته. قام موتسارت بمحاولة فاشلة أخرى، فألف القداس في دو الصغير (KV427) خصيصاً لتقدمه كونستانتسه، دون طائل. كل ما كتبته نانرل عن هذا العرض الأول للقداس في دفتر مذكراتها: "اليوم ذهبنا إلى كونسرت. الجو كان ممطرا". كانت هذه آخر مرة تلتقي فيها اخته نانرل به. يحتوي القداس على قطع بديعة وصعبة في نفس الوقت كتبها لتناسب صوت السوبرانو التي أدتها كونستانتسه. ما عاد موتسارت يتحمل انتظار الوظيفة في البلاط، فقرر المغامرة في مشروع تقديم حفلات للعامة، على غرار ما رآه في لندن وباريس. نجح مشروعه، فقد بدأ الجمهور، بما فيهم رجال البلاط بل والإمبراطور يوزف الثاني نفسه يحضر هذه الحفلات التي نظمها موتسارت. تحسن وضعه المالي وأصبح نجم ڤيينا وأشهر موسيقي فيها. كان يتغلغل في عقل وروح المستمعين بشكل لم يستطيع فعله أي موسيقي قبله بهذه الدرجة. خلال تلك الفترة كتب الكثير من الأعمال التي غيرت وجهة الموسيقى اللاحقة. كانت كونشرتات الهورن مثل رقم (KV495) مثلاً طليعية في وقته، فقد اعتمد موتسارت على أصدقائه الموسيقيين المقربين عازف الهورن يوزف لويتگيب ليحول الهورن الذي كان مشابهاً للنفير المستعمل في الصيد إلى أداة موسيقية فعّالة قادرة على تقديم أصعب الألحان، إذ لم يكن الهورن يحتوي على أي مفاتيح (مكابس) مثلما هو الحال الآن مع الهورن الفرنسي، بل يؤدي العازف النغمات بدسّ يده وتحريكها في جرس الهورن بذلك يتحكم بدرجة الأنغام. ولنتذكّر هنا باخ وصديقه عازف الهورن الماهر گوتفريد رايخه، على سبيل المقارنة. اتجه موتسارت إلى كتابة الأوݒرا باللغة الإيطالية، حتى يثبت مكانته الطليعية في ڤيينا حتى في وجه الموسيقيين الإيطاليين الذين حظوا بمكانة رفيعة فيها.
أول بيت سكنه موتسارت في ڤيينا 

موتسارت والأوݒرا


 قدّم موتسارت أوݒراه الجديدة "اختطاف من السراي" (KV384) صيف 1782 على مسرح البلاط بنجاح باهر، وحصلت على ثناء بالغ من أهم مؤلف أوبرا في ڤيينا: كريستوف ڤيليبالد گْلوك (1714 - 1787) الذي شغل منصب مؤلف البلاط. كان تأليف هذه الأوݒرا الألمانية خلال فترة إقامته عند عائلة ڤيبر والتحضير لزواجه بكونستانتسه. لكن موتسارت لم يكتف بهذا النجاح، كان يطمح إلى تثبيت مواقعه في ڤيينا والتفوق على مؤلفي الأوݒرا الإيطاليين الذين انتعش فنهم في العاصمة الإمبراطورية: بالدرجة الأولى أنتونيو سالييري (1750 - 1825) الذي انتقل ليعيش ويعمل في ڤيينا منذ 1770 حتى وفاته. كان الإثنان يتنافسان على الصدارة، وأدى التنافس هذا إلى ظهور شكوك حول وفاة موتسارت المبكرة، حيث اعتقد الناس أن سالييري قد قام بتسميمه. وقد تعامل الكاتب المسرحي بيتر شيفر مع هذه الشكوك رغم بطلانها وقدّمها بمثابة حقيقة في مسرحيته "أماديوس" (1979) التي نقلها ميلوش فورمان في الفيلم الشهير بنفس الاسم (1984). الحقيقة كان الإثنان يحترمان بعضهما الآخر رغم المنافسة، وقام سالييري بتدريس ابن موتسارت لاحقا. أختار موتسارت النص الذي كتبه بومارشيه "زواج فيگارو" موضوعاً للأوݒرا التالية. استعمل النص مؤلفون آخرون مثل جوڤاني ݒايزيلّو في أوݒرا "حلاق اشبيلية"، التي قدمت في ڤيينا بنجاح كبير لكنها في نفس الوقت أثارت حفيظة الإمبراطور يوزف الثاني لجرأتها فيما يتعلق بحقوق النبلاء ونقدها الساخر لهم، وقد وصفها ناپوليون بأنها احدى الشرارات التي أشعلت الثورة الفرنسية. لم يكن الطريق مرصوفاً أمام "زواج فيگارو" (KV492) التي قدمت في 1 أيار 1786، فقد واجه موتسارت ومؤلف الليبرتّو (النص) لورنتسو دا پونته الكثير من المصاعب في إقناع الإمبراطور والرقابة بإجازتها، وتعرضا إلى الكثير من المؤامرات التي حاكها الجناح المحافظ الذي أرغم على تقبلها بسبب إعجاب الإمبراطور بها. كان هذا العمل جديداً غير معتاد، فقد انتقل من تقديم الشخوص وفق نمطية معتادة مبنية على علاقات التبعية السائدة في ذلك الوقت إلى علاقات إنسانية ندّية. وهذا بالذات ما أثار استياء النبلاء الذين سخر موتسارت منهم في هذه الأوݒرا، وأضعفت من حظوظه في الحصول على موقع هام في البلاط والمؤسسة الحاكمة. فلم تقدم الأوݒرا سوى تسع مرات في ڤيينا، لكنها حققت نجاحات كبيرة في العديد من مسارح أوروبا خلال عام واحد وغدت من التراث الثابت في دور الأوݒرا. لم يتحسن وضع موتسارت المالي بعد هذه الأوݒرا، وبدأ يفقد من شعبيته في ڤيينا. بدأ يوجه أنظاره نحو باريس ولندن قبل أن تأتيه الأخبار السارة من براغ حيث عرضت أعماله "اختطاف من السراي" و"زواج فيگارو" بنجاح. قام موتسارت بزيارة ناجحة إلى براغ في مطلع 1787، وهناك قاد "زواج فيگارو" بنجاح كبير، وقدم عدداً من الحفلات وسط تهليل الجمهور. من أهم نتائج تلك الزيارة طلب مدير مسرح براغ من موتسارت تأليف أوݒرا. هذه المرة اختار دا پونته النص لموتسارت الذي باشر فوراً بتأليف "دون جوڤانّي" (KV527) واحدة من أعظم الأوݒرات التي كتبها موتسارت. 

شقة موتسارت في ڤيينا التي حولت الى متحف موتسارت

الانتكاسة 


 بدأ موتسارت بتأليف دون جوڤانّي في آذار 1787. خلال ذلك توفي أبوه، ليوپولد موتسارت في أيار، لكن الابن لم يحضر مراسم توديعه في زالتسبورگ. ربما أثّر هذا الأمر على أجواء الأوݒرا الدرامية القاتمة التي يعدها كيركَگارد أعظم إنجاز فني في التاريخ. جوهر الأوݒرا هو المبارزة بين دون جوڤانّي الذي اعتاد إغواء النساء ودون گونزالو (إل كومنداتوره) الذي كان يدافع عن ابنته ومقتل الأخير، ثم ظهور الأب في نهاية الأوݒرا على شكل تمثال ليطارد دون جوڤانّي ويرسله إلى الجحيم بعد أن رفض إبداء الندم. قُدّم العمل في براغ يوم 29 تشرين الأول 1787 بعد شيء من التأخير ولاقى نجاحاً كبيرا. لكن العرض الأول في ڤيينا لم يحدث إلا في في أيار من العام التالي، 1788. غيّرت الحرب مع الدولة العثمانية التي اندلعت في شباط 1788 كل شيء. كانت البلاد في حالة حرب، فقد غادر الأرستقراطيون ڤيينا لقيادة الجيش في البلقان مما أثر على دعم الفن بشكل مباشر، وتغير المزاج العام وما عاد يحتمل عملاً من وزن دون جوڤانّي في ظل أجواء الحرب والبحث عما يبعد الخوف والمآسي. ومع ندرة العروض الموسيقية وتوقف الارستقراطية عن تمويل الفن بسبب الحرب، بدأ موتسارت يواجه الديون التي أخذت تتراكم عليه. فقد اعتاد على مورده من الحفلات التي يقيمها والأعمال التي يكلف بكتابتها، وهذه أخذت تتضائل. مع ذلك لم يتوقف عن العيش بنفس الطريقة السابقة - حياة البذخ وسهر الليالي مع الأصدقاء، مما زاد من أزمته المالية وبالتالي النفسية والصحية على العموم وغلبته الكآبة، وفشل في إدارة أزماته. لذلك لم يكتب موتسارت إلا القليل من الأعمال في بين 1788-1790. مع ذلك، خففت زياراته لمدينة برلين والاستقبال الحار الذي قابله به عاهل پروسيا فريدريش ڤيلهلم الثاني من هذه الأزمات بعض الشيء ومؤقتا. فقد قدّم هناك زواج فيگارو بنجاح، وألّف ست رباعيات وترية بطلب من الملك سميت بالرباعيات الپروسية. ولم تجلب له أوبرا "Così fan tutte" التي يمكن ترجمتها إلى "كلهن متشابهات" (KV588) النجاح لفترة طويلة، فقد جاء موت الإمبراطور يوزف الثاني بعد شهر من العرض الأول للأوبرا في 20 كانون الثاني 1790 ودخول البلاد في فترة شهرين من الحداد فتوقفت كل العروض الموسيقية. فقد موتسارت بموت راعيه أهمّ من دعمه وقدّر فنه، فقد عرفه الإمبراطور منذ كان طفلاً معجزة وسهّل تقديم أعماله بين الحين والحين. وقام مؤخراً بتعيينه بمنصب شكلي هو مؤلف البلاط خلفاً لكريستوف ڤيليبالد گْلوك بعد وفاته في 1787 لمجرد الحفاظ عليه في ڤيينا، وكلّفه تأليف موسيقى الرقص للبلاط لقاء أجر متواضع. وفوق ذلك لم يدعو أحد موتسارت لتأليف عمل خلال تنصيب الإمبراطور الجديد، ليوپولد الثاني الذي أقيم في فرانكفورت خريف 1790، بينما دعي هايدن وسالييري بين موسيقيين آخرين. مع ذلك سافر إلى فرانكفورت على حسابه وقدم سيمفونيته الأربعين العظيمة (KV550) في حفلة لم يحضرها إلا القليل بسبب إقامتها بالتزامن مع استعراض عسكري كبير.
 
النصب التذكاري لموتسارت في مقبرة سانت ماركس في ڤيينا 


 1791


 قرر موتسارت البدء من جديد بعد رحلته المأساوية إلى فرانكفورت. اضطر في البداية إلى تدريس البيانو حتى يكسب بعض المال. ثم عرض على بلدية ڤيينا العمل كمساعد لقائد جوقة كنيسة شتيفان المريض يوهان ليوپولد هوفمان (1738 - 1793)، الأمر الذي قبلته البلدية من دون أجر، مع وعدٍ بتعيينه خليفة له بعد وفاته. يعود موتيت "Ave verum corpus" الديني (K618) إلى تلك الفترة، فقد ألفه في صباح يوم من حزيران 1791، وهو واحد من أرقّ وأعظم أعماله. كما كتب موتسارت في أشهره الأخيرة عملي أوبرا هما "الناي السحري" (K620) و "رحمة تيتوس" (K621). كانت الناي السحري انتصاراً كبيراً له، فقد قدمت هذه الأوݒرا الألمانية مراراً منذ عرضها الأول في نهاية أيلول وأعادت له ثقته بنفسه، وثقة الجمهور به. وقد أدّت ألويزيا ڤيبر دور ملكة الليل في هذه الأوݒرا التي كانت تعكس الكثير من الصراعات التي عاشها موتسارت - علاقته مع أبيه وعلاقته مع زوجته. كما ضمّنها بعض الرموز الماسونية سيما وأن المسرح الذي قدمت عليه كان بإدارة صديقه وزميله في اللوج الماسوني إيمانويل شِكانيدر الذي اقترح عليه هذه الأوݒرا. أصبح موتسارت عضواً في لوج الماسونيين الأحرار في أواخر 1784، وقد انضم أبوه ويوزف هايدن إلى نفس اللوج لاحقاً. تلقى موتسارت في أواخر تموز 1791 طلباً عبر وسيط لكتابة قداس جنائزي، وكان الشرط بقاء هوية صاحب الطلب سراً. كان الكونت فرانس فون ڤالسَگ وراء الطلب، وكان يود نشر العمل بأسمه. وافق موتسارت بسبب حاجته إلى المال لتسديد ديونه، وباشر بكتابة القداس الجنائزي في ره الصغير (K626)، آخر عمل له الذي لم يكمله بسبب وفاته المبكرة. طلبت كونستانتسه من عدد من الموسيقيين الآخرين إكماله، أهمهم تلميذه الشاب فرانس ساڤير زوسماير. يعد القداس الجنائزي بين أنبل وأجمل ما كتبه موتسارت، مع ذلك يعتبر أكثرها غموضاً، تحوم حوله الكثير من الأساطير والأقاويل. توفي موتسارت فجر الخامس من كانون الأول 1791 (هُدم البيت الذي توفي فيه، حيث تشير اليوم لوحة إلى ذلك)، ودفن في مقبرة سانت ماركس مع آخرين بسبب تفشي جانحة وقتئذ، وسرعان ما نسي موقع القبر. ويوجد اليوم نصب رمزي لموتسارت في هذه المقبرة. وقد حولت بلدية ڤيينا بعض الشقق التي سكنها موتسارت إلى متاحف ووضعت لوحات تذكارية عليها، مثلما فعلت بلدية زالتسبورگ بتحويل بيت مولده إلى متحف. لم نكن لنعرف الكثير عن موتسارت لولا الجهد الكبير الذي بذلته أرملته كونستانتسه في توثيق كل تفاصيل حياة موتسارت. وكان لقائها الثاني مع نانرل اخت موتسارت في 1821 بعد نحو أربعين عاماً من اللقاء الأول مثمراً هذه المرة، فقد سلمت نانرل كونستانتسه ما لديها من مراسلات عائلة موتسارت وغيرها من الوثائق. وكانت كونستانتسه قد تزوجت من دبلوماسي دنماركي في 1809 عاونها على كتابة سيرة حياة موتسارت التي صدرت في 1828 بعد وفاة زوجها، وكانت قد انتقلت إلى زالتسبورگ في 1824 بعد أن عاشت لسنوات في كوبنهاغن لتعيش سنواتها الأخيرة حتى وفاتها في 1842.


موقع البيت الذي توفي فيه موتسارت، ڤيينا 

الاثنين، 2 سبتمبر 2024

جولة موسيقية في هامبورغ



ارتبطت مدينة هامبورغ الواقعة في شمال ألمانيا بمينائها الذي يعد بين أهم موانئ الشمال الأوروبي. وهي اليوم من المدن الألمانية المتميزة بحياتها الموسيقية المتنوعة رفيعة المستوى، على الأخص بعد افتتاح قاعتها الموسيقية المعروفة بـ "ألبفيلهارموني" سنة 2017. جاء مطلع الاسم من نهر الألبه، وهو النهر الذي بنيت عنده المدينة التي تتميز بقنواتها العديدة وبحيراتها وجسورها التي وصل عددها 2500 جسرا.

تمتلك مدينة هامبورغ صلاحيات الولايات الألمانية، فهي، إلى جانب برلين وبريمن، واحدة من الولايات الألمانية الستة عشرة. لذلك يشغل عمدة المدينة منصب رئيس وزراء، وتكون البلدية مسؤولة عن كل جوانب الحياة بما فيها الحياة الموسيقية للمدينة وضواحيها حيث يسكن أكثر من خمسة ملايين شخص.

يرتبط موسيقيون كبار بالمدينة، مثل جورج فيليب تلمان (1681 - 1767) فقد أمضى فيها 46 سنة مديراً للموسيقى مسؤولاً عن خمس كنائس رئيسية فيها. وكان تلمان قد حصل على وظيفة منشد كنيسة توماس في لايبزيج لكنه أعتذر بعد أن تلقى من بلدية هامبورغ عرضاً جديداً براتب أفضل. أصبح باخ منشد كنيسة توماس بعد اعتذار الفائز الثاني بالمنصب، كريستوف غراوبنر. خلف ابن باخ، كارل فيليب إيمانويل (1714 - 1788) تلمان في منصب مدير الموسيقى في هامبورغ بعد وفاة الأخير، وكان باخ قد شغل قبلها وظيفة عازف الهاربسيكورد في بلاط الملك فريدريك الكبير في برلين.

من الموسيقيين الذين ولدوا في هامبورغ فيلكس مندلسون واخته فانّي هنسل، لكن العائلة انتقلت إلى برلين مبكراً. وأنجبت المدينة كذلك يوهانس برامز الذي عاش وعمل فيها إلى أن انتقل إلى فيينا بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وولد يوهان آدولف هاسه (1699 - 1783) مبعدة أميال من هامبورغ، وهو من أشهر وأكثر مؤلفي الأوبرا انتاجاً في وقته حتى أنه كان ينافس مؤلفي الأوبرا الطليان. غادر هامبورغ مبكراً ليعمل في نابولي لسنوات، ثم في بلاط دريسدن، انتقل بعدها إلى فيينا قبل أن يمضي سنواته الأخيرة في فينيسيا.

من مواليد المدينة بين الموسيقيين الأقل شهرة نذكر كارل راينكه (1824 - 1910) أحد تلاميذ مندلسون وشومان وليست في لايبزيج، وأصبح قائد فرقة جيفاندهاوس ودرس عنده عشرات الموسيقيين المرموقين، منهم النرويجي أدفارد غريغ والتشيكي ليوش ياناتشك والألماني ماكس بروخ. وولد فيها كذلك باول ديساو (1894 - 1979) الذي عرف بتعاونه مع برتولت بريشت.

وجذبت المدينة جورج فريدريش هندل حيث عمل فيها عند جورج أمير هانوفر في هامبورغ للسنوات بين 1703 - 1710، وهناك تصادق مع الموسيقى والباحث المولود فيها يوهان ماتسون (1681 - 1764). ويوجد قبر ماتسون إلى جانب قبر كارل فيليب إيمانويل في قبو  كنيسة هامبورغ الرئيسية، كنيسة القديس ميخائيل الجميلة. والطريف أن هندل أختلف مع مخدّمه الأمير وغادر هامبورغ إلى انكلترا، لكن الأقدار شاءت أن يعتلي الأمير عرش بريطانيا فواصل هندل خدمته بعد أن أصبح الملك جورج الأول.

وعمل غوستاف مالر في هامبورغ لست سنوات بين 1891-1897 قاد خلالها أوركسترا مسرح المدينة، ولم يبق من البيوت التي سكنها هناك سوى شقة قريبة إلى مكتبة الجامعة. عاش في المدينة كذلك الموسيقار الروسي ألماني الأصل الفريد شنيتكه (1934 - 1998) سنواته الأخيرة بعد تركه الاتحاد السوفيتي المنهار في 1990، وهو من الموسيقيين الطليعيين المعروفين في النصف الثاني من القرن العشرين. 


حي الموسيقيين



حي الموسيقيين


تولي بلدية المدينة اهتماماً كبيراً بالحفاظ على هذا التاريخ الموسيقي الغني، كالعادة في تلك البلاد. وهناك اليوم متحف في منطقة يطلق عليها اسم "حي الموسيقيين" في منطقة "المدينة الجديدة" وهي منطقة أعيد بناؤها تاريخياً وكانت تضم بيوت البرجوازيين والتجار، لأن القليل من الآثار المادية بقيت بعد أن دمر الانكليز والأمريكان الكثير من الأماكن التاريخية التي ترتبط بتاريخ المدينة خلال الحرب العالمية الثانية. يتألف حي الموسيقيين من مجموعة من البيوت المتلاصقة المبنية على طراز الباروك، ولا يرتبط أي منها مباشرة بأحد من الموسيقيين المذكورين قبل قليل، بل جرى تخصيص الشارع ليستضيف متاحف الموسيقيين المختلفين. وعلى العموم، باستثناء متحف برامز وهو الأقدم بينها (تأسس سنة 1971)، تحوي المتاحف القليل من المعروضات المرتبطة بالموسيقيين. لهذا يمكن اعتبار هذه المتاحف تذكاراً وتذكيراً بأبناء هامبورغ من الموسيقيين. فقد ركزت المتاحف على الوسائط المتعددة والتسجيلات الصوتية والأفلام، وعرض أغراض تمثل المرحلة التاريخية وبعض الأدوات الموسيقية. إلى جانب هذا تضم المتاحف مكتبة متخصصة مفتوحة أمام الباحثين المتخصصين.



فنجان قهوة برامز


متحف برامز هو أهم هذه المتاحف، فهو يعرض الكثير من المعروضات التي ترتبط بالموسيقار الذي عاش في المدينة حتى بلغ الثلاثين من عمره. أهمها بيانو منضدي بديع من خشب الماهوغاني بمفاتيح من العاج والأبنوس، من صنع شركة باومغارتن وهاينس (من هامبورغ) استعمله في سنوات 1861-1862، وكان يستعمله في تدريس تلاميذه. نرى كذلك بين المعروضات هدية من الكورس النسائي الذي قاده ودرّبه برامز عبارة عن عدة للكتابة مصنوعة من الفضة (1859). وكان الكورس المؤسس حديثاً يضم شابّات متحمسات أُعجبن بالموسيقي الشاب الوسيم والموهوب. قدمت الهدية مغنية فييناوية كان برامز مغرماً بها بعد حفل غنى الكورس فيه بعض أعمال برامز نفسه. نرى في الطابق الأرضي بعض الأغراض منها فنجان قهوة مؤرخ في 14 نيسان 1849 كتب عليه اسم يوهانس برامز، هدية من أستاذه بمناسبة تقديم برامز حفله الثاني كعازف بيانو ليقدم أعماله. ولم يبلغ برامز السادسة عشرة بعد وقتها.


بيانو برامز



ويمكن للزوار استعمال لوح تابلت يوفره المتحف لقراءة المزيد من التفاصيل والمعلومات عن كل المعروضات، وكذلك سماعات لسماع التسجيلات وبعض النصوص عند التجول في المتحف الصغير. من بين المعلومات الهامة تفاصيل صداقة برامز مع عازف الكمان المجري الماهر أدوارد رميني الذي تعلم منه بعض ألحان الغجر المجرية أصبحت الأساس الذي استعمله لتأليف رقصاته المجرية الشهيرة، وهي سلسلة من 21 رقصة مجرية ألف بعضها في هامبورغ.

أما المتاحف الباقية فهي متحف جورج فيليب تلمان (1681 - 1767) الذي كان مديراً للموسيقى في هامبورغ لست وأربعين سنة. تأسس المتحف الذي يعتبر الوحيد في العالم عن هذا الموسيقار العظيم سنة 2011، بينما تأسس متحفا كارل فيليب إيمانويل باخ (1714 - 1788) ويوهان أدولف هاسه (1699 - 1783) سنة 2015. وفي  سنة 2018  أضيفت معارض عن فيلكس مندلسون (1809 - 1847) واخته فانّي مندلسون (1805 - 1847) المولودان في هامبورغ، وغوستاف مالر (1760 - 1911) الذي عمل في هامبورغ بين 1891 - 1897.

كان تلمان من أشهر موسيقيي عصره، وأكثرهم انتاجاً في نفس الوقت، فقد زاد عددها من ثلاثة آلاف عمل. كان مسؤولاً عن الحياة الموسيقية في خمس من كنائس المدينة الرئيسية، أهمها وأكبرها كنيسة ميخائيل، وهي كنيسة جميلة بنيت في منتصف القرن السابع عشر، ولذلك ألّف أكثر من 1000 كانتاتا و 35 قداساً و 44 اوراتوريو عن آلام المسيح. لكنه نشط كذلك في تأليف الموسيقى الدنيوية، فألّف 40 أوبرا وأكثر من 600 من الافتتاحيات والمتتابعات، والكثير من أعمال الحجرة وأعمال اخرى مما يصعب حصره. وكان ينشر أعماله بنفسه، ويشرف على عملية النشر بكل مراحلها شخصياً. وقد طبعت أعماله خارج الدويلات الألمانية كذلك، خاصة في فرنسا حيث أمضى ثمانية أشهر للإشراف على طباعتها والانخراط في الحياة الموسيقية والثقافية هناك. ويوجد في متحف تلمان القليل من المقتنيات الشخصية، مثل بعض الأدوات الموسيقية، لكن المتحف يضم الكثير من المواد التعليمية المتوفرة عبر الوسائط المتعددة ومكتبة مهمة مفتوحة أمام الباحثين.

كان تلمان صديقاً لباخ والأب الروحي لأبنه الثاني، كارل فيليب إيمانويل الذي خلفه في منصبه مديرا للموسيقى في هامبورغ. عمل باخ هناك لعقدين من 1768 حتى وفاته، حيث كتب لكنائس المدينة 21 اوراتوريو عن آلام المسيح وحوالي 70 كانتاتا وموتيت وغيرها من الأعمال الطقسية للكنيسة. وقد دفن في قبو كنيسة ميخائيل بعد وفاته. وقد اختارت المدينة موقع حي الموسيقيين ليكون قريباً من هذه الكنيسة المهمة التي احترقت مرتين، في 1750 و 1906 وجرى تعميرها من جديد.


سجل التعميد الذي يؤرخ تعميد مالر



لا توجد في المتاحف مقتنيات شخصية كثيرة للموسيقيين الآخرين، بل جرى تنظيم عرضٍ متعدد الوسائط للتعريف بهم وبعلاقتهم بالمدينة، والظروف التي كانت سائدة فيها آنذاك. مثلا عُرض سجل للتعميد يعود إلى العام 1897، نقرأ فيه إشارة إلى "غوستاف مالر، من كاليتش، وكان يهودياً" بتاريخ 23 شباط. وقد أعتنق مالر المسيحية حسب المذهب الكاثوليكي في ذلك اليوم، ليزيد من حظوظ قبول طلبه لشغل منصب مدير دار الأوبرا في فيينا، إذ لا يعين في هذا المنصب سوى المسيحيين. وقد فاز مالر بالمنصب في آخر المطاف.

ويقع حي الموسيقيين مبعدة دقائق عن متحف تاريخ هامبورغ الذي توجد فيه مجموعة من الأدوات الموسيقية المهمة.


السلم المؤدي إلى الصالة الكبرى

صالة ألبفيلهارمونيه


أبرز معالم المدينة الآن هو صالة الموسيقى المسماة ألبفيلهارمونيه (Elbphilharmonie)، وهي المركز الموسيقي لفرقة راديو شمال ألمانيا الفيلهارمونية (NDR Elbphilharmonie Orchester). افتتحت البناية التي تطل على الميناء في 11 كانون الثاني 2017 وتمثل قمة التكنولوجيا المعاصرة في العمارة والتصميم. أنشأت الصالة التي صممها معماريان من سويسرا فوق بناية مبنية من الآجر كانت مخزناً في الأصل شُيّد سنة 1963، وجرى تطويرها وتحويلها إلى واحدة من عجائب العالم المعاصر بإضافة العديد من الطوابق فوق البناية الأصلية بواجهات زجاجية تبلغ مساحتها 16 ألف متر مربع، وتوّجت البناية بسقف متموج كأنه أشرعة سفينة ليصبح رمزها وشعارها. وهي تضم فندقاً وشققاً سكنية راقية ومكاتب ومرآب سيارات يتسع لـ 433 سيارة وثلاث صالات للموسيقى. "الصالة الكبرى" هي أكبرها بسعة 2098 شخص يجلسون على "شرفات" أو مدارج تتوزع حول المسرح، وهو التصميم المسمى "مزرعة الكروم". تليها في الحجم "صالة الحفلات" التي يبلغ عدد مقاعدها 550 مقعداً، وهي مصممة بالتصميم الكلاسيكي المسمى "علبة الأحذية" كناية عن أبعاد القاعة التي تشبه علب الأحذية. وهناك قاعة ثالثة تسع 170 شخص تستعمل لأغراض تعليمية.

زيارة البناية متعة بحد ذاتها. فالطابق الثامن - ويُعرف بألبفيلهارمونيه بلازا - مفتوح أمام العامة، هناك توجد مداخل القاعات الموسيقية. نجد فيه مقاه ومطاعم وشرفة تمتد حول البناية يمكن منها رؤية المدينة من كل الاتجاهات ويصعد إليه الزائر عن طريق درج كهربائي فريد من نوعه، فهو مقوّس أو محدّب وليس درجاً كهربائياً معتاداً ينقل الإنسان إلى الطوابق الأعلى بزاوية واحدة مثل باقي الأدراج الكهربائية.

الصالة الكبرى إنجاز أكوستيكي (نسبة إلى الأكوستيكا، علم الصوت) بارز بحد ذاتها، فقد غطى المصمم الياباني ياسوهيسا تويوتا جدران جدران وسقف القاعة بقرابة 10000 قطعة مصنوعة من الجبسوم والألياف الزجاجية مصممة بعناية لتوجيه الموجات الصوتية من أجل الحصول على نوعية صوت بجودة عالية، وهي نفس التقنية المستعملة في صالة الحفلات. ويخدم القاعة نظام تهوية بكفاءة عالية يحافظ على درجة حرارة ونسبة رطوبة ثابتة بغض النظر عن امتلاء القاعة بالناس أم لا، وهذا هو أحد الشروط الأساسية للحفاظ على الأدوات الموسيقية الحساسة التي تتأثر بتغير الحرارة والرطوبة بشكل كبير، وتجنيب المغنين الصعوبات التي يسببها تغير الرطوبة والحرارة. إذ توجد فتحة تهوية تحت كل كرسي من الكراسي الموجودة في القاعة، بينما تمتد شبكة من أنابيب التهوية يصل طولها عدة كيلومترات. كما صممت المقاعد بطريقة مبتكرة حتى تمتص الموجات الصوتية، فلا يوجد فرق في نوعية الصوت إن كانت المقاعد مشغولة بالمستمعين أم لا.

أداة الكاريلّون ونرى الأحراس والغرفة الزجاجية التي يوحد فيها لوح "المفاتيح"


حفلة في الكنيسة المدمرة


 مُسحت بنايات وأحياء كاملة في مركز المدينة والميناء في الغارات الشهيرة في تموز 1943، بينها كنيسة القديس نيقولا. وقد قتل ما يزيد عن 43 ألف شخص في تلك الغارة. وأُبقي بعد الحرب على أطلال كنيسة القديس نيقولا التي لم يبق منها سوى الجدران وبرجها كتذكار للمآسي التي سببتها الحرب للأطراف المتحاربة، إذ لم يبق منها سوى برجها المهيب الذي استعمله الطيارون نقطة استدلال لتعيين الاحداثيات بسبب ارتفاعه البالغ 147 مترا. الكنيسة هي واحدة من الكنائس الانجيلية (اللوثرية) الخمس الرئيسية في هامبورغ، وكان تلمان مديراً للنشاطات الموسيقية في هذه الكنائس كما ذكرت. شيدت الكنيسة في هذا الموقع في العام 1195 وكانت من الخشب وقتها قبل أن يعاد تشييدها من الآجر في القرن الرابع عشر. تدمرت هياكلها الخشبية حريق هامبورغ الكبير في 1842 الذي استمر لثلاثة أيام والتهم ثلث المدينة القديمة، فأُعيد تشييدها مرة أخرى في 1874 على الطراز القوطي الجديد من تصميم المعماري الإنكليزي جورج جلبرت سكوت ليكون برجها الأطول في أوروبا قبل إنجاز برج كاتدرائية رون الفرنسية سنة 1876 والذي بلغ ارتفاعه 151 مترا.

لم يجري تعمير الكنيسة بعد الحرب، بل استعمل بعض حجارتها في تقوية وتصليح سدود نهر الألبه سنة 1951. في الختام حوّلت الأطلال إلى موقع للتذكير بأهوال الحروب على العموم وأُنشئ متحف في قبوها يعرض الكثير من اللقى. وتمت صيانة البرج في تسعينات القرن الماضي ومن جديد في 2012، وشيد سنة 2005 مصعد كهربائي بجدران زجاجية لنقل الزوار إلى منصة البانوراما على ارتفاع 76 متراً في البرج. كما نصبت أداة موسيقية تسمى كاريلّون (Carillon) علقت أجراسها الواحد والخمسين في البرج سنة 1993. ترتبط مجموعة الأجراس التي صبت من البرونز بنغمات وفق السلم الكروماتي بمجموعة من "المفاتيح" ودواسات الأرجل مثل جهاز الأورغن الكبير، يضرب عليها العازف بيديه ويدوس عليها برجليه لتقديم الأعمال الموسيقية. يزن أصغر جرس تسعة كيلوغرامات بينما يزن أكبرها أكثر من طنين بقليل، ويبلغ وزن الأجراس مجتمعة 13 طناً. وهذه الأداة الغريبة ليست نادرة الوجود كما تبين، إذ يوجد مئات منها في هولندا والولايات المتحدة الأمريكية وهولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا والدنمارك وفي دول أخرى، غالباً في الكنائس. وهناك اتحاد عالمي يجمع 15 منظمة وطنية تهتم بالترويج لهذه الأداة ودعم الموسيقيين المهتمين بها. 

يستقطب اليوم هذا المعلم التذكاري الزوار الذين يرتقون منصة البرج للحصول على واحدة من أفضل الإطلالات لرؤية معالم المدينة الكبيرة من الأعلى. وتقدم أعمال موسيقية حية على أجراس الكاريلّون مرة واحدة اسبوعياً كل خميس في منتصف النهار، ويستغرق تقديم الموسيقى زهاء نصف ساعة تقدم فيها مختلف الأعمال الموسيقية قديمها وحديثها. وتضمن برنامجها الذي استمعت إليه أثناء زيارتي المدينة ميزت فيه أعمالاً لموتسارت وشاربانتييه وتاسعة بيتهوفن وهايدن. ويتغير هذا البرنامج باستمرار، حسب تغير العازفين على هذه الأداة، مثلا سيقدم الأسبوع القادم برنامج معاصر يتألف من روائع موسيقى البوب الحديثة.


كنيسة ميخائيل



ثائر صالح


بحث هذه المدونة الإلكترونية

صدر مؤخراً

أيام ڤاگنر في بودابست

 أيام ڤاگنر في بودابست حزيران / يونيو 2026 ©Thaier Saleh فكرة المهرجان اقيم مهرجان " أيام ڤاگنر " في قصر الفنون في بودابست بين 4 ...