الجمعة، 3 أبريل 2026

إيڤان فيشر وسيمفونية مالر الثالثة

تعودت على ترقب حفلات فرقة بودابست الاحتفالية (Budapest Festival Orchestra BFO) وحضورها قدر الإمكان لعدة أسباب. السبب الأول هو متابعتي نشاط الفرقة في بودابست منذ تأسيسها في ثمانينات القرن الماضي، الثاني هو تأسيسها من قبل إثنين من أبرز الموسيقيين المجريين هما قائد الأوركسترا إيڤان فيشر (احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين قبل أقل من شهر) بالتعاون مع عازف البيانو المعروف زولتان كوچيش (1952 - 2016) وهي تضم خيرة العازفين المجريين، وأخيراً بسبب عمل الصديق قصي حسين قدوري فيها كعازف چلو منذ 20 سنة.

استمعت هذه المرة إلى سيمفونية مالر الثالثة مساء 31 كانون الثاني 2026 في بودابست، وكانت أكثر من رائعة، كالعادة.

حازت فرقة بودابست الاحتفالية وقائدها إيڤان فيشر على الكثير من الجوائز والتكريم، وحصل عدد من تسجيلاتها على جوائز گرامي. وهي بحسب استفتاء مجلة هيئة الاذاعة البريطانية واحدة من أفضل عشر فرق موسيقية في العالم إلى جانب اوركسترا كليڤلاند وشيكاغو السيمفونية وفرق لوس أنجليس ونيويورك وڤيينا وبرلين الفيلهارمونية وغيرها. الفارق بين هذه الفرقة والفرق التسعة الباقية هو العمر. فقد تأسست الفرقة سنة 1983 بينما يبلغ عمر الفرق الباقية أكثر من قرن، إذ تأسس أغلبها في القرن التاسع عشر (مثلا تأسست فرقة ڤيينا الفيلهارمونية في 1842).

تتميز فرقة بودابست الاحتفالية بتقديم مختلف الأعمال الموسيقية بأرقى مستوى ابداعي واحترافي. وتعمل دائماً على ابتداع طرق جديدة لنشر الثقافة الموسيقية بين مختلف شرائح المجتمع. فهناك حفلات خاصة يستهدفون بها الشباب من خلال حفلات منتصف الليل، والأطفال المصابين بالتوحد (حفلات الكاكاو)، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء، وتقدم الفرقة بمختلف تشكيلاتها حفلات مجانية اجتماعية مختلفة.

وهناك تشكيلات مختلفة تضم عازفي الفرقة الرئيسية بحسب الإهتمام، إذ ينتظر إيڤان فيشر من العازفين الانخراط بنشاط في تقديم الحفلات في هذه التشكيلات، مثل موسيقى الباروك أو الرباعيات الوترية وغيرها.

وقد أسس إيڤان فيشر مهرجان أوبرا سنوي في مدينة ڤيچنزا (Vicenza) الإيطالية من أجل تقديم أوبرا واحدة كل عام بقيادته وإخراجه، بالتعاون بين فرقته الاحتفالية مع قصر الفنون في بودابست (Müpa) ومدينة ڤيچنزا وفرقة أوبرا إيڤان فيشر ويقوم بالأدوار الرئيسية مغنون عالميون. وتقدم هذه الأوبرا في دار أوبرا المدينة (Teatro Olimpico) التي افتتحت في سنة 1585. قدم المهرجان منذ انطلاقه في 2018 لحد الآن أوبرات لجوسَپّه ڤردي وكلاوديو مونتڤردي وبنجامين برتن وكلود ديبوسي وريشارد شتراوس. وسيقدم المهرجان هذا العام أوبرا موتسارت العظيمة "الفلوت السحري". وقد نفذت تذاكر المهرجان الذي سيقام بين 23 - 26 تشرين الأول القادم منذ زمن طويل.

تحصل اوركسترا بودابست الاحتفالية على دعم من الحكومة المجرية ومن بلدية العاصمة بودابست، لكن الخلاف بين الحكومة التي يقودها أوربان وعمدة العاصمة الذي ينتمي للمعارضة يؤثر على مستوى الدعم السنوي بسبب اقتطاع حكومة اوربان مبالغ كبيرة من ميزانية العاصمة مؤخراً دون وجه قانوني.



أنجبت المجر (هنغاريا) العديد من قادة الأوركسترا البارزين منذ تأسيس أكاديمية الموسيقى في بودابست سنة 1875، وكنتاج لهذا التأسيس. وكثيراً ما نصادف على أغلفة التسجيلات الموسيقية أسماء قادة أوركسترا مجريين كبار مثل دوهناني، دونات، دوراتي، لهل، أورماندي، شولتي، ڤاينر وآخرين. ويعتبر إيڤان فيشر (وأخوه آدام فيشر) اليوم أحد أهم قادة الأوركسترا المجريين المعروفين على نطاق عالمي. من الصعب تخيل النجاح الذي تحصل عليه دولة صغيرة مثل المجر (9 ملايين نسمة) في مجال الموسيقى من دون نظام تربية موسيقية فعّال يتواصل من دور الأطفال حتى الدراسات الأكاديمية، ولا بد هنا من الإشارة إلى ما يعرف بطريقة كوداي للتربية الموسيقية التي تنمي في الأطفال حب الموسيقى والفهم الصحيح لها. وليس اعتماد اليابان هذه الطريقة بشكل واسع سوى مدخل لفهم النجاحات التي وصلتها الموسيقى في هذا البلد.



ولد فيشر في بودابست مطلع عام 1951 في عائلة موسيقية، أبوه قائد اوركسترا وامه مغنية اوبرا. منهما ورث قيادة الأوركسترا وحب الأوبرا على ما يبدو. درس العزف على البيانو والكمان والچلو ثم اتجه لقيادة الأوركسترا ودرس في ڤيينا حيث عمل مساعداً للمايسترو نيكولاوس هارننكورت لمدة سنتين. قاد بعدها عدداً من الفرق الشهيرة مثل اوركسترا لندن السيمفونية وفرق البي بي سي. أسس فرقة بودابست الاحتفالية في 1983 وقادها من نجاح إلى نجاح حتى وصلت المرتبة الراقية التي نشهدها اليوم. دائم الحركة والتجديد والتجربة، لا يرضخ للتقليد وهذا ما نراه في تعامله مع فرقته. فقد حولها الى ورشة عمل دائم فيها مختلف التشكيلات الفرعية: يقدم أعضاؤها الكثير من حفلات موسيقى الحجرة من الباروك حتى الجاز والموسيقى الشعبية المجرية. وقد ساعد هذا التوجه على تطوير قابليات أعضاء الفرقة بما يتناسب مع اهتماماتهم في ذات الوقت. 

يتعامل فيشر مع النص الموسيقي باحترافية عالية، واعتاد تغيير طريقة جلوس العازفين حسب العمل الموسيقي، فقد ابتعد من الشكل الذي فرضته الفرق الموسيقية الأمريكية في خمسينات القرن الماضي واعتمدته الفرق العالمية من بعدها: كمان أول كمان ثاني ڤيولا چلو وخلفه الكونترباص الخ. توزيع أقسام الأوركسترا عنده خاضع للنص، وهذا يعطيه حرية أكبر في التعبير الموسيقي عن العمل. فعند تقديم سيمفونية مالر الثالثة أجلس الكمان الأول والچلو وخلفهم تسعة من عازفي الهورن الفرنسي على يسار المسرح حتى وسطه، بينما وضع عازفي الڤيولا أمامه في الوسط حتى اليمين والكمان الثاني على يمينه، وفوقهم بقية النحاسيات. احتلت الخشبيات قلب المسرح، خلف الچلو والڤيولا. التجديد هو وضع عشرة من عازفي الكونترباص على منصة في وسط المسرح خلف الخشبيات لتعزيز دورهم، وخلفهم أدوات الإيقاع المختلفة على امتداد المسرح كما نراه في صورة الحلقة الأولى الأسبوع الماضي. النتيجة هي متعة صوتية فريدة وغير معتادة، يشيد بها متذوقو الموسيقى الجادون حيثما تقدم الفرقة حفلاتها. بالمناسبة يعتبر فيشر أحد أهم مترجمي أعمال مالر الحاليين على صعيد عالمي.

يهتم فيشر بالأوضاع في إسرائيل وفلسطين بسبب تحدّره، ويتبنى موقفاً مشابها لما يتبناه زميله الشهير بارنبويم يتلخص في ضرورة الوصول إلى حل الدولتين عبر التخلص من المتطرفين لدى الجانبين.



عُرف گوستاڤ مالر (1860 - 1911) بحبه للطبيعة، وكان ينزوي أثناء عطله الصيفية خلال عمله في هامبورغ في كوخ صغير يقع في قرية نمساوية صغيرة هي شتاينباخ الواقعة على بحيرة آتر. بدأ مالر بتأليف سيمفونيته الثالثة سنة 1893 في هذه الجنّة الأرضية وانتهى منها في 1896 قبل أن يستلم إدارة أوبرا البلاط في ڤيينا (أوبرا الدولة الآن) في 1897. موضوع السيمفونية الصيف والزهور وحيوانات البر، وقد وصف سيمفونيته الثالثة "وجدت كل الطبيعة صوتاً لها في هذه السيمفونية". وتعدّ هذه السيمفونية أطول سيمفونية كتبت ولا تزال تقدم، إذ يستغرق أداؤها حوالي 100 - 110 دقائق، وتتألف من ست حركات. هيّأ مالر وصفاً لحركات السيمفونية في مطبوع حفل الافتتاح سنة 1902 قبل أن يغير رأيه ويحذفه منه. وبحسب شهادات المقربين منه كانت مواضيع حركات السيمفونية الست هي: الأولى تصوّر "استيقاظ ݒان (إله البرية والرعاة والمواشي في الميثولوجيا الإغريقية) من سباته ودخول الصيف"، وهي أطول الحركات الست. الحركة الثانية "ما تقوله لي الزهور في الحقل"، وقد أستبدل إيڤان فيشر عصا القيادة بوردة روز (جوري) بيضاء في هذه الحركة لتوكيد ذلك. الحركة الثالثة "ما تقوله لي الحيوانات في الغابة"، الرابعة "ما يقوله لي الإنسان"، الخامسة "ما تقوله لي الملائكة" وأخيرا السادسة، "ما يقوله لي الحُب".



كتب مالر هذه السيمفونية بالغة الطول لأوركسترا كبيرة، فقد شغلت أوركسترا بودابست الاحتفالية كل مسرح القاعة الكبرى في قصر الثقافة في بودابست المسماة قاعة بيلا بارتوك التي تتسع لـ 1656 مقعد. الأوركسترا رباعية، أي أنها تضم أربع أدوات في كل قسم، مع بعض الاختلافات، فقد استعمل مالر ثمانية من أدوات الهورن الفرنسي وهورن بريد (خارج المسرح في الحركة الثالثة)، وقد اعتاد مالر استعمال عددا كبيرا من الهورن في سيمفونياته. استعمل كذلك خمس أدوات كلارينيت، وقيثارتين، وقسم إيقاع معزز بالكثير من الأدوات مثل الأجراس التي يضع بعضها على شرفة عالية كما هو الحال في سيمفونيتيه الثانية والثالثة. واشتركت مغنية من طبقة آلتو في غناء نص "أغنية منتصف الليل" من عمل گوته "هكذا تكلم زرادشت" في الحركة الرابعة، ونص من أغاني ألمانية قديمة "هورن الفتى العجيب" في الحركة الخامسة، أسهم معها في الغناء كورس نسائي وكورس أطفال في الحركة الخامسة فقط. 

قيادة مثل هذه الفرقة الكبيرة ليست سهلة، وقيادة أعمال مالر ليست سهلة كذلك، وهنا يبرز دور قائد الأوركسترا بشكل واضح. ويفاضل المالريون (وهم المتحمسون لموسيقى مالر) بين قادة الأوركسترا، ويصنفونهم حسب ادائهم أعمال مالر. وكثيراً ما اعتبروا قادة اوركسترا معروفين وشهيرين ضعفاء في تقديم وترجمة أعمال مالر. لكن إيڤان فيشر ليس بين هؤلاء، بل يعتبره المالريون من افضل مترجمي أعمال مالر اليوم. فهو قادر على استخراج أفضل الطاقات من عازفي فرقته، وهو أمر يمكن الشعور به فوراً في القاعة. يتميز ما يقدمه إيڤان فيشر مع فرقة بودابست من أعمال مالر بانسيابية غير معتادة مقارنة مع تقديم قادة الفرق الأخرى، وهذا يجعل الاستمتاع بعالم موسيقى مالر أكثر عمقاً، تفقد المستمع الإحساس بالزمن.






الثلاثاء، 27 يناير 2026

موتسارت الاعجوبة

 تمثال موتسارت في ڤيينا 


البدايات 


 تقول الرواية أن الملائكة تغني أعمال باخ عندما تمجد الرب، لكنها تغني أعمال موتسارت عندما تكون لوحدها. ليس في هذا مبالغة، فسيرة حياة ڤولفگانگ أماديوس موتسارت القصيرة استثنائية بمعنى الكلمة، تقص كيف تحول الطفل الأعجوبة إلى موسيقار اسطوري. كان ذهنه يفكر بطريقة موسيقية، وكان يؤلف أعمالا موسيقية معقدة في ذهنه قبل أن يسطرها على الورق. وكثيراً ما كان يقضي الليل مع أصدقائه بينما كان يرتب في ذهنه اللمسات الأخيرة على عمل جديد سيقدم في اليوم التالي، بحيث يستلم العازفون المدونة الموسيقية ولم يجف الحبر عليها بعد. بانت موهبة ڤولفگانگ (ڤولفي) في سن مبكرة، وكان يتعلم بسرعة كل ما كان الأب الموسيقى ليوپولد موتسارت يعلم اخته ماريا أنّا (نانرل) التي تكبره بأربع سنوات. بدأ يؤلف أعماله الموسيقية الخاصة به في سن الخامسة، قطع بيانو قصيرة، لكنها مؤلف موسيقي كامل البنية. أخذ الأب ليوپولد طفليه عندما كان موتسارت في السادسة في زيارة إلى الامبراطورة ماريا تيريزا، لعرض مهاراتهما. فاقت النتيجة التوقعات، فقد حصل الأب على 450 فلورين ذهب، وهي أكثر من دخله السنوي، وحصل الأطفال على ملابس فاخرة من الملابس التي ضاقت على أبناء الامبراطورة. قام الأب مع طفليه وزوجته أنّا ماريا وطفليه بزيارات لعدد كبير من المدن الأوروبية بلغت 88 مدينة، حيث قدم الأطفال حفلات موسيقية أمام الملوك والنبلاء والأثرياء، منها لندن حيث ألف موتسارت السيمفونية الأولى بعمر 8 سنين. لم يصدق الناس هذه المهارات من طفل بهذا العمر، قال بعضهم أنه رجل بالغ لكن مظهره مظهر الطفل. ومع زيادة الشكوك حول هذه العبقرية، اختبرته الجمعية الملكية البريطانية، وأقرت بأن موتسارت طفل عبقري بالفعل. كبر موتسارت، وحصل على عمل عند هيرونيموس فون كولوريدو أمير واسقف زالتسبورگ. لكنه كان يعامل موتسارت كأحد خدمه، ليس أعلى مرتبة من الطباخ أو البستاني، مما أثار حنق موتسارت الشاب. نوى موتسارت وأبوه القيام بسفرة جديدة بعمر الحادية والعشرين، لكن شرط الأمير الأسقف أن الإجازة ستكون بدون مرتب، وما كان ليوپولد قادراً على البقاء بدون مورد. هذه المرة رافقته أمه، فقد أصرّ أبوه على ذلك لأن ڤولفگانگ لا يزال طفلاً بحسب رأيه، وبما أنه لا يستطيع مرافقته. وصل موتسارت وأمه آنّا ماريا مدينة مانهايم في 1777، حيث توجد أعظم فرقة في أوروبا، هي فرقة بلاط مانهايم. عرض موتسارت على الأمير أن يعمل قائداً للفرقة، لكن الأمير لم يكن راغباً في ذلك، إذ لم يكن موتسارت قد أصبح موتسارت بعد. اضطر إلى تدريس العزف على البيانو من أجل إعالة نفسه وأمه التي رافقته، وكانت تلميذته ألويزيا ابنة فريدولين ڤيبر موسيقي في فرقة البلاط، وهو عم الموسيقي الألماني كارل ماريا فون ڤيبر (1786 - 1826). أحبّ موتسارت بصدق الفتاة التي كانت بارعة في الغناء، فألف قطعة غنائية رائعة لألويزيا (KV294) سنة 1778 عبّر فيها عن حبه لها. بدأ يخطط لزيارة المدن الأوروبية معها، لكن أبوه وقف بوجه هذه العلاقة وأجبره على ترك الفتاة والذهاب مع أمه إلى باريس.

باريس


 لم يحب موتسارت باريس، ولم يحب الموسيقى الفرنسية وأحس بأن هناك من يحيك الدسائس ضده، خوفاً من نجاحه في باريس. عُرضت عليه وظيفة عازف أورغن في ڨرساي، لكنه رفضها لضعف الراتب الموعود. مع ذلك وجد موتسارت في المدينة التي بدأت تتغير نحو عصر جديد فرقة يتعامل معها: كونسير سݒيريتويل. تقاطع مشروع هذه الفرقة مع المألوف في الموسيقى وقتها، فهي تقدم الموسيقى لمن يقتني التذاكر، لا لكنيسة ما أو أرستقراطي. كان جوزف لو گرو مدير الموسيقى ومؤسس الفرقة متفتحاً على التعامل معه، فكلفه بكتابة سيمفونية للفرقة التي كان يحلم بالكتابة لمثلها: 21 كمان 8 تشيلو 4 فيولا و 4 كونتراباص وقسم هوائيات كامل. كانت سيمفونية رقم 31 (KV297) أول نجاح كبير له في باريس. لكن تلك النشوة قطعتها بعد أيام وفاة أمه التي مرضت في الطريق إلى باريس. في تلك الأيام العصيبة ألف موتسارت واحداً من أرقّ وأعظم أعماله للبيانو: سوناتا رقم 9 في لا الصغير (KV310). ساءت العلاقة بين ڤولفگانگ وليوپولد الذي قرّع ابنه على إهماله أمه، فكثيراً ما نزلا في سكن رخيص وسيء التدفئة. ثم أخذ بعد وفاتها يبتز ابنه عاطفياً، فقد ألقى اللوم عليه لوفاة أمه بهدف تعزيز سيطرته عليه، واستمر في العزف على هذه النغمة في السنين اللاحقة كلما استدعى الأمر: تركت أمك تموت في باريس. طلب ليوبولد منه العودة فوراً إلى زالتسبورگ، والتقدم على وظيفة عازف أورغن البلاط. لكن موتسارت لم يستعجل العودة، مر في طريق عودته على مانهايم. تغيرت المدينة جذرياً منذ زيارته الأخيرة لها، فقد انتخب أميرها ملكاً على باڤاريا، فترك مانهايم وانتقل إلى العاصمة ميونيخ، كذلك انتقلت ألويزيا وعائلتها إلى ميونخ. وبالتزامن مع هذا التغيير جرى حلّ فرقة مانهايم الموسيقية الشهيرة. ذهب موتسارت إلى ميونخ هو الآخر، لكنه لم يحصل على مبتغاه في وظيفة جيدة ولم يحصل على تكليف بكتابة أوبرا في ميونيخ، فوق ذلك لم تشأ ألويزيا التي صعد نجمها في أوبرا ميونيخ الارتباط به. مع ذلك بقي الاثنان على علاقة طيبة، إذ قامت ألويزيا بأداء عدد من الأدوار في الأوݒرات التي ألفها موتسارت لاحقا. اضطر موتسارت في كانون الثاني 1778 العودة إلى خدمة فون كولوريدو وقبول وظيفة عازف أورغن البلاط رغم المشاكل مع الأسقف الذي لم يحسن التعامل مع هذا العبقري المتمرد. مرّ الوقت بطيئاً، وكان الأب يلجم من جماح الابن ويمنعه من القيام بحماقات في بلاط الأسقف. فجأة، تلقى موتسارت في خريف 1780 طلباً من أمير مانهايم لتأليف أوبرا. بهذا كتب موتسارت أول عمل أوبرالي كبير له هو إدومنيو (KV366) الذي عرض في ميونيخ للمرة الأولى في 1781. نجد في هذه التحفة الفنية أصداء الحياة التي عاشها موتسارت نفسه وعلاقته بأبيه، فهي تتحدث عن الصراع بين ملك وابنه الذي يتوج في ختام الأوݒرا ملكاً بعد اضطرار أبيه إلى التنحي عن الحكم.
 

 ڤيينا


 ساءت علاقة موتسارت بالاسقف وحاشيته فقدم استقالته التي لم تقبل على الفور. قرر موتسارت ترك زالتسبورگ في 1781 والذهاب إلى ڤيينا وتقرير مصيره بنفسه، بعيداً عن الاسقف وأبيه وهو بعمر 25 سنة. كانت ڤيينا عاصمة أوروبا الثقافية في ذلك الوقت. كان طموحه الحصول على منصب كبير في فرقة موسيقى البلاط، لكنه بطبيعته كان شخصاً لا يحسن التملق، متمرداً على التقاليد الموسيقية. لذلك سرعان ما أيقن البلاط أن موتسارت برغم فرادته وعبقريته، لا يصلح أن يكون جزءاً من مؤسسة البلاط مع مواصفاته هذه. أقام موتسارت في البداية عند معارفه القدماء، آل ڤيبر، عائلة حبيبته القديمة التي شقت طريقها بنجاح في الحياة. بدأ بتدريس البيانو ليضمن مصاريف سكنه البسيطة وقوته اليومي. وهناك وقع في حب أخت ألويزيا الأصغر، كونستانتسه، التي كانت بدورها مغنية حصلت على تدريب ممتاز مثل اختها. لكن الأب ليوپولد لم يبارك زواجهما وعارضه، فحاول موتسارت إصلاح الأمر عندما أخذ زوجته إلى زالتسبورگ لتقديمها إلى العائلة. لم يجر اللقاء كما خطط له موتسارت، إذ لم يفلح في تطبيع العلاقة العائلية المتوترة. لم تكن أخته سعيدة كذلك، فقد عانت هي الاخرى من سطوة الأب الذي رفض المتقدمين للزواج منها. والآن بدأت تشعر بالظلم لرؤية سعادة أخيها وزوجته. قام موتسارت بمحاولة فاشلة أخرى، فألف القداس في دو الصغير (KV427) خصيصاً لتقدمه كونستانتسه، دون طائل. كل ما كتبته نانرل عن هذا العرض الأول للقداس في دفتر مذكراتها: "اليوم ذهبنا إلى كونسرت. الجو كان ممطرا". كانت هذه آخر مرة تلتقي فيها اخته نانرل به. يحتوي القداس على قطع بديعة وصعبة في نفس الوقت كتبها لتناسب صوت السوبرانو التي أدتها كونستانتسه. ما عاد موتسارت يتحمل انتظار الوظيفة في البلاط، فقرر المغامرة في مشروع تقديم حفلات للعامة، على غرار ما رآه في لندن وباريس. نجح مشروعه، فقد بدأ الجمهور، بما فيهم رجال البلاط بل والإمبراطور يوزف الثاني نفسه يحضر هذه الحفلات التي نظمها موتسارت. تحسن وضعه المالي وأصبح نجم ڤيينا وأشهر موسيقي فيها. كان يتغلغل في عقل وروح المستمعين بشكل لم يستطيع فعله أي موسيقي قبله بهذه الدرجة. خلال تلك الفترة كتب الكثير من الأعمال التي غيرت وجهة الموسيقى اللاحقة. كانت كونشرتات الهورن مثل رقم (KV495) مثلاً طليعية في وقته، فقد اعتمد موتسارت على أصدقائه الموسيقيين المقربين عازف الهورن يوزف لويتگيب ليحول الهورن الذي كان مشابهاً للنفير المستعمل في الصيد إلى أداة موسيقية فعّالة قادرة على تقديم أصعب الألحان، إذ لم يكن الهورن يحتوي على أي مفاتيح (مكابس) مثلما هو الحال الآن مع الهورن الفرنسي، بل يؤدي العازف النغمات بدسّ يده وتحريكها في جرس الهورن بذلك يتحكم بدرجة الأنغام. ولنتذكّر هنا باخ وصديقه عازف الهورن الماهر گوتفريد رايخه، على سبيل المقارنة. اتجه موتسارت إلى كتابة الأوݒرا باللغة الإيطالية، حتى يثبت مكانته الطليعية في ڤيينا حتى في وجه الموسيقيين الإيطاليين الذين حظوا بمكانة رفيعة فيها.
أول بيت سكنه موتسارت في ڤيينا 

موتسارت والأوݒرا


 قدّم موتسارت أوݒراه الجديدة "اختطاف من السراي" (KV384) صيف 1782 على مسرح البلاط بنجاح باهر، وحصلت على ثناء بالغ من أهم مؤلف أوبرا في ڤيينا: كريستوف ڤيليبالد گْلوك (1714 - 1787) الذي شغل منصب مؤلف البلاط. كان تأليف هذه الأوݒرا الألمانية خلال فترة إقامته عند عائلة ڤيبر والتحضير لزواجه بكونستانتسه. لكن موتسارت لم يكتف بهذا النجاح، كان يطمح إلى تثبيت مواقعه في ڤيينا والتفوق على مؤلفي الأوݒرا الإيطاليين الذين انتعش فنهم في العاصمة الإمبراطورية: بالدرجة الأولى أنتونيو سالييري (1750 - 1825) الذي انتقل ليعيش ويعمل في ڤيينا منذ 1770 حتى وفاته. كان الإثنان يتنافسان على الصدارة، وأدى التنافس هذا إلى ظهور شكوك حول وفاة موتسارت المبكرة، حيث اعتقد الناس أن سالييري قد قام بتسميمه. وقد تعامل الكاتب المسرحي بيتر شيفر مع هذه الشكوك رغم بطلانها وقدّمها بمثابة حقيقة في مسرحيته "أماديوس" (1979) التي نقلها ميلوش فورمان في الفيلم الشهير بنفس الاسم (1984). الحقيقة كان الإثنان يحترمان بعضهما الآخر رغم المنافسة، وقام سالييري بتدريس ابن موتسارت لاحقا. أختار موتسارت النص الذي كتبه بومارشيه "زواج فيگارو" موضوعاً للأوݒرا التالية. استعمل النص مؤلفون آخرون مثل جوڤاني ݒايزيلّو في أوݒرا "حلاق اشبيلية"، التي قدمت في ڤيينا بنجاح كبير لكنها في نفس الوقت أثارت حفيظة الإمبراطور يوزف الثاني لجرأتها فيما يتعلق بحقوق النبلاء ونقدها الساخر لهم، وقد وصفها ناپوليون بأنها احدى الشرارات التي أشعلت الثورة الفرنسية. لم يكن الطريق مرصوفاً أمام "زواج فيگارو" (KV492) التي قدمت في 1 أيار 1786، فقد واجه موتسارت ومؤلف الليبرتّو (النص) لورنتسو دا پونته الكثير من المصاعب في إقناع الإمبراطور والرقابة بإجازتها، وتعرضا إلى الكثير من المؤامرات التي حاكها الجناح المحافظ الذي أرغم على تقبلها بسبب إعجاب الإمبراطور بها. كان هذا العمل جديداً غير معتاد، فقد انتقل من تقديم الشخوص وفق نمطية معتادة مبنية على علاقات التبعية السائدة في ذلك الوقت إلى علاقات إنسانية ندّية. وهذا بالذات ما أثار استياء النبلاء الذين سخر موتسارت منهم في هذه الأوݒرا، وأضعفت من حظوظه في الحصول على موقع هام في البلاط والمؤسسة الحاكمة. فلم تقدم الأوݒرا سوى تسع مرات في ڤيينا، لكنها حققت نجاحات كبيرة في العديد من مسارح أوروبا خلال عام واحد وغدت من التراث الثابت في دور الأوݒرا. لم يتحسن وضع موتسارت المالي بعد هذه الأوݒرا، وبدأ يفقد من شعبيته في ڤيينا. بدأ يوجه أنظاره نحو باريس ولندن قبل أن تأتيه الأخبار السارة من براغ حيث عرضت أعماله "اختطاف من السراي" و"زواج فيگارو" بنجاح. قام موتسارت بزيارة ناجحة إلى براغ في مطلع 1787، وهناك قاد "زواج فيگارو" بنجاح كبير، وقدم عدداً من الحفلات وسط تهليل الجمهور. من أهم نتائج تلك الزيارة طلب مدير مسرح براغ من موتسارت تأليف أوݒرا. هذه المرة اختار دا پونته النص لموتسارت الذي باشر فوراً بتأليف "دون جوڤانّي" (KV527) واحدة من أعظم الأوݒرات التي كتبها موتسارت. 

شقة موتسارت في ڤيينا التي حولت الى متحف موتسارت

الانتكاسة 


 بدأ موتسارت بتأليف دون جوڤانّي في آذار 1787. خلال ذلك توفي أبوه، ليوپولد موتسارت في أيار، لكن الابن لم يحضر مراسم توديعه في زالتسبورگ. ربما أثّر هذا الأمر على أجواء الأوݒرا الدرامية القاتمة التي يعدها كيركَگارد أعظم إنجاز فني في التاريخ. جوهر الأوݒرا هو المبارزة بين دون جوڤانّي الذي اعتاد إغواء النساء ودون گونزالو (إل كومنداتوره) الذي كان يدافع عن ابنته ومقتل الأخير، ثم ظهور الأب في نهاية الأوݒرا على شكل تمثال ليطارد دون جوڤانّي ويرسله إلى الجحيم بعد أن رفض إبداء الندم. قُدّم العمل في براغ يوم 29 تشرين الأول 1787 بعد شيء من التأخير ولاقى نجاحاً كبيرا. لكن العرض الأول في ڤيينا لم يحدث إلا في في أيار من العام التالي، 1788. غيّرت الحرب مع الدولة العثمانية التي اندلعت في شباط 1788 كل شيء. كانت البلاد في حالة حرب، فقد غادر الأرستقراطيون ڤيينا لقيادة الجيش في البلقان مما أثر على دعم الفن بشكل مباشر، وتغير المزاج العام وما عاد يحتمل عملاً من وزن دون جوڤانّي في ظل أجواء الحرب والبحث عما يبعد الخوف والمآسي. ومع ندرة العروض الموسيقية وتوقف الارستقراطية عن تمويل الفن بسبب الحرب، بدأ موتسارت يواجه الديون التي أخذت تتراكم عليه. فقد اعتاد على مورده من الحفلات التي يقيمها والأعمال التي يكلف بكتابتها، وهذه أخذت تتضائل. مع ذلك لم يتوقف عن العيش بنفس الطريقة السابقة - حياة البذخ وسهر الليالي مع الأصدقاء، مما زاد من أزمته المالية وبالتالي النفسية والصحية على العموم وغلبته الكآبة، وفشل في إدارة أزماته. لذلك لم يكتب موتسارت إلا القليل من الأعمال في بين 1788-1790. مع ذلك، خففت زياراته لمدينة برلين والاستقبال الحار الذي قابله به عاهل پروسيا فريدريش ڤيلهلم الثاني من هذه الأزمات بعض الشيء ومؤقتا. فقد قدّم هناك زواج فيگارو بنجاح، وألّف ست رباعيات وترية بطلب من الملك سميت بالرباعيات الپروسية. ولم تجلب له أوبرا "Così fan tutte" التي يمكن ترجمتها إلى "كلهن متشابهات" (KV588) النجاح لفترة طويلة، فقد جاء موت الإمبراطور يوزف الثاني بعد شهر من العرض الأول للأوبرا في 20 كانون الثاني 1790 ودخول البلاد في فترة شهرين من الحداد فتوقفت كل العروض الموسيقية. فقد موتسارت بموت راعيه أهمّ من دعمه وقدّر فنه، فقد عرفه الإمبراطور منذ كان طفلاً معجزة وسهّل تقديم أعماله بين الحين والحين. وقام مؤخراً بتعيينه بمنصب شكلي هو مؤلف البلاط خلفاً لكريستوف ڤيليبالد گْلوك بعد وفاته في 1787 لمجرد الحفاظ عليه في ڤيينا، وكلّفه تأليف موسيقى الرقص للبلاط لقاء أجر متواضع. وفوق ذلك لم يدعو أحد موتسارت لتأليف عمل خلال تنصيب الإمبراطور الجديد، ليوپولد الثاني الذي أقيم في فرانكفورت خريف 1790، بينما دعي هايدن وسالييري بين موسيقيين آخرين. مع ذلك سافر إلى فرانكفورت على حسابه وقدم سيمفونيته الأربعين العظيمة (KV550) في حفلة لم يحضرها إلا القليل بسبب إقامتها بالتزامن مع استعراض عسكري كبير.
 
النصب التذكاري لموتسارت في مقبرة سانت ماركس في ڤيينا 


 1791


 قرر موتسارت البدء من جديد بعد رحلته المأساوية إلى فرانكفورت. اضطر في البداية إلى تدريس البيانو حتى يكسب بعض المال. ثم عرض على بلدية ڤيينا العمل كمساعد لقائد جوقة كنيسة شتيفان المريض يوهان ليوپولد هوفمان (1738 - 1793)، الأمر الذي قبلته البلدية من دون أجر، مع وعدٍ بتعيينه خليفة له بعد وفاته. يعود موتيت "Ave verum corpus" الديني (K618) إلى تلك الفترة، فقد ألفه في صباح يوم من حزيران 1791، وهو واحد من أرقّ وأعظم أعماله. كما كتب موتسارت في أشهره الأخيرة عملي أوبرا هما "الناي السحري" (K620) و "رحمة تيتوس" (K621). كانت الناي السحري انتصاراً كبيراً له، فقد قدمت هذه الأوݒرا الألمانية مراراً منذ عرضها الأول في نهاية أيلول وأعادت له ثقته بنفسه، وثقة الجمهور به. وقد أدّت ألويزيا ڤيبر دور ملكة الليل في هذه الأوݒرا التي كانت تعكس الكثير من الصراعات التي عاشها موتسارت - علاقته مع أبيه وعلاقته مع زوجته. كما ضمّنها بعض الرموز الماسونية سيما وأن المسرح الذي قدمت عليه كان بإدارة صديقه وزميله في اللوج الماسوني إيمانويل شِكانيدر الذي اقترح عليه هذه الأوݒرا. أصبح موتسارت عضواً في لوج الماسونيين الأحرار في أواخر 1784، وقد انضم أبوه ويوزف هايدن إلى نفس اللوج لاحقاً. تلقى موتسارت في أواخر تموز 1791 طلباً عبر وسيط لكتابة قداس جنائزي، وكان الشرط بقاء هوية صاحب الطلب سراً. كان الكونت فرانس فون ڤالسَگ وراء الطلب، وكان يود نشر العمل بأسمه. وافق موتسارت بسبب حاجته إلى المال لتسديد ديونه، وباشر بكتابة القداس الجنائزي في ره الصغير (K626)، آخر عمل له الذي لم يكمله بسبب وفاته المبكرة. طلبت كونستانتسه من عدد من الموسيقيين الآخرين إكماله، أهمهم تلميذه الشاب فرانس ساڤير زوسماير. يعد القداس الجنائزي بين أنبل وأجمل ما كتبه موتسارت، مع ذلك يعتبر أكثرها غموضاً، تحوم حوله الكثير من الأساطير والأقاويل. توفي موتسارت فجر الخامس من كانون الأول 1791 (هُدم البيت الذي توفي فيه، حيث تشير اليوم لوحة إلى ذلك)، ودفن في مقبرة سانت ماركس مع آخرين بسبب تفشي جانحة وقتئذ، وسرعان ما نسي موقع القبر. ويوجد اليوم نصب رمزي لموتسارت في هذه المقبرة. وقد حولت بلدية ڤيينا بعض الشقق التي سكنها موتسارت إلى متاحف ووضعت لوحات تذكارية عليها، مثلما فعلت بلدية زالتسبورگ بتحويل بيت مولده إلى متحف. لم نكن لنعرف الكثير عن موتسارت لولا الجهد الكبير الذي بذلته أرملته كونستانتسه في توثيق كل تفاصيل حياة موتسارت. وكان لقائها الثاني مع نانرل اخت موتسارت في 1821 بعد نحو أربعين عاماً من اللقاء الأول مثمراً هذه المرة، فقد سلمت نانرل كونستانتسه ما لديها من مراسلات عائلة موتسارت وغيرها من الوثائق. وكانت كونستانتسه قد تزوجت من دبلوماسي دنماركي في 1809 عاونها على كتابة سيرة حياة موتسارت التي صدرت في 1828 بعد وفاة زوجها، وكانت قد انتقلت إلى زالتسبورگ في 1824 بعد أن عاشت لسنوات في كوبنهاغن لتعيش سنواتها الأخيرة حتى وفاتها في 1842.


موقع البيت الذي توفي فيه موتسارت، ڤيينا 

بحث هذه المدونة الإلكترونية

صدر مؤخراً

إيڤان فيشر وسيمفونية مالر الثالثة

تعودت على ترقب حفلات فرقة بودابست الاحتفالية (Budapest Festival Orchestra BFO) وحضورها قدر الإمكان لعدة أسباب. السبب الأول هو متابعتي نشاط ا...