الأحد، 28 يوليو 2024

جولة موسيقية في فيينا

مدينة تعج بالموسيقيين



فيينا! من أجمل المدن الأوروبية وأكثرها رخاء، تتمتع بإرث ثقافي ومعماري متميز. لها مكانة خاصة في تاريخ الموسيقى الأوروبية لا تمتلكها أية مدينة سواها، ربما تنافسها فينيسيا الإيطالية لوحدها في عراقتها الموسيقية في العصور السابقة. سيجد المرء صلات موسيقية تاريخية في كل خطوة يسيرها في شوارع فيينا، هذا عن الماضي، أما اليوم فهي لا تزال تحتل مركزاً موسيقياً عالمياً مرموقا: يكفي أن نذكر معدل عدد من يحضر حفلات موسيقية يومياً في المدينة يصل عشرة آلاف شخص! واليوم لا يمر عام دون حفلة العام الجديد التي تُبث من فيينا، وتحتل فرقها الصدارة سواء دار الأوبرا الشهيرة أو فرقة فيينا الفيلهارمونية.



سيطرت فيينا على الموسيقى بشكل واضح قبيل وأثناء انتهاء عصر الباروك (حوالي منتصف القرن الثامن عشر)، عندما ظهرت مدرسة فيينا (الكلاسيكية)، أبرز ممثليها هايدن وموتسارت وبيتهوفن وشوبرت، ثم برزت الفترة الرومانتيكية والرومانتيكية المتأخرة متمثلة بالألماني يوهانس برامز والنمساوي أنتون بروكنر والبوهيمي غوستاف مالر، وبالتوازي معها برز فن الموسيقى "الخفيفة" الذي تمحور حول عائلة شتراوس ومؤلفي الأوبريت الفييناوي يوهان شتراوس الابن والدلماتي فرانس فون سوبيه والمجري فرنس لهار والمجري الآخر إمره كالمان، حتى نصل ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية وقيام الجمهورية النمساوية، ومعها مدرسة فيينا الثانية التي أسسها أرنولد شونبرغ (تحتفل فيينا بالذكرى الخمسين بعد المئة لولادته هذا العام)، وأنتون فون فيبرن وألبان برغ.

لكن الموسيقى في فيينا لا تقتصر على المؤلفين الموسيقيين العظام، إذ لا توجد موسيقى عظيمة دون نظام تربوي ناجح ومؤسسة تعليمية موسيقية متطورة. كانت فيينا تعج بمدارس الموسيقى التي أدارها مربّون موسيقيون من إيطاليا في البداية، إذ كانت العلاقات مع إيطاليا أقوى من تلك مع الدويلات الألمانية البروتستانتية لأسباب مذهبية. وكان الموسيقيون يكملون دخلهم بتقديم دروس الموسيقى. نذكر هنا الموسيقار النمساوي مدير فرقة بلاط هابسبورغ يوهان يوزف فوكس (1660 - 1741) وكتابه النظري الشامل الشهير عن الموسيقى الذي تعلمت منه أجيال الموسيقيين اللاحقين من هايدن وموتسارت إلى بيتهوفن.

كما لا توجد موسيقى دون أدوات موسيقية. فانتشرت ورشات صناعة الأدوات الموسيقية في فيينا، ولا بد من القول أن البيانو (واسمه الأول فورتَبيانو) لم يتطور إلا في فيينا رغم اختراعه من قبل الإيطالي كريستوفوري في مطلع القرن الثامن عشر ونشره من قبل الأسطة الألماني الكبير زِلْبَرمان (1683 - 1753) أهم من صنع أدوات الأورغن ثم الهاربسيكورد وباقي أدوات المفاتيح في مدينة فرايبَرغ (سكسونيا). فقد كثرت ورشات صناعة البيانو في فيينا مع حلول الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وظهرت ورش شترايخر وفالتر وغراف، ثم ظهرت الماركة الأشهر: بوزندورفر، فقد أسس إغناتس بوزندورفر ورشته في 1828 ولا تزال تعتبر واحدة من الماركات الشهيرة في عالم صناعة البيانو. ويوجد معرض بيانوات بوزندورفر في نفس مبنى قاعة جمعية الموسيقى (Musikverein) التي تقام فيها حفلات راس السنة الشهيرة، وتقع في الشارع المسمى شارع بوزندورفر.


فيينا الجاذبة


ذكرت قبل قليل بضعة أسماء، بينها أسماء موسيقيين أجانب جذبتهم فيينا إليها فأمضوا جزءاً كبيراً من حياتهم يعملون فيها. أحد الأسباب هو رعاية عائلة هابسبورغ للفنون والموسيقى، بينما تنافس النبلاء والارستقراطيين في تمويل فرقهم الخاصة بهم، كما هو الحال مع عائلة أمراء أسترهازي الذين عمل هايدن عندهم لعقود. كان بيتهوفن أحد أكثرهم شهرة لا ريب، فهو الذي ولد في مدينة بون الألمانية في سنة  1770 قد انتقل إلى فيينا سنة 1792 وهو في الثانية والعشرين ليعيش ويموت فيها سنة 1827. العبقري الثاني هو موتسارت، جذبته فيينا بعد سنوات أمضاها في خدمة اسقف زالتسبورغ حيث ولد في 1756، وكان في الخامسة والعشرين من عمره ليموت فيها بعد عشرة أعوام.

الموسيقار الآخر الذي نذكره هنا، هو يوهانس برامز، فقد ولد في هامبورغ الألمانية في الشمال سنة 1833 وانتقل إلى فيينا متأخراً نسبياً، سنة 1872، قبيل بلوغه الأربعين ليعيش ويبدع أعظم أعماله ويموت فيها.

قبلهم جاء الفينيسي العظيم أنطونيو فيفالدي إلى فيينا في 1740 على الأغلب، ربما لتقديم بعض أعماله هناك بدعم من القيصر كارل السادس. لكن الأخير توفي في تشرين الأول 1740 تاركاً فيفالدي دون معين، مما أدى إلى فقدانه كل مدخراته، ثم وفاته في تموز 1741 فقيراً. دفن فيفالدي بمراسيم بسيطة في مقبرة تابعة لمستشفى عام أزيلت أواخر القرن الثامن عشر، تقع بالقرب من كنيسة كارل الباروكية الجميلة، ضمن منطقة بناية كلية الهندسة. ويشير إلى ذلك  لوح تذكاري موجود على جدار المبنى الرئيسي لكلية الهندسة، وكان موضوع ثاني صورة ألتقطها فور وصولي فيينا بعد صورة كنيسة كارل.

لوح تذكاري عن موقع قبر فيفالدي

وتوفي الموسيقي الألماني مؤلف الأوبرا اللامع كريستوف فيليبالد غلوك في فيينا كذلك سنة
 1787، حيث عاش قرابة ثلاثة عقود، ومثله تلميذه الإيطالي أنطونيو سالييري (1750 - 1825) بعد إقامة طويلة في فيينا.
كان هذا الحال مع العديد من الموسيقيين المولودين في أراضي الامبراطورية كذلك، كان أنطون بروكنر (1824 - 1896) أحدهم، فقد ولد في قرية قرب لينتس (نحو 180 كم غربي فيينا)، وانتقل إلى العاصمة في 1868 ليدرّس في الكونسرفاتوار ويؤلف سيمفونياته الشهيرة. أما العبقري غوستاف مالر (1860 - 1911) فقد ولد في يهلافا (في تشيخيا اليوم) ودخل أكاديمية الموسيقى في فيينا سنة 1875. تنقل مالر بين مختلف المدن بعد تخرجه، إذ عمل كقائد اوركسترا في ليوبليانا (سلوفينيا اليوم) ثم أولوموتس (في مورافيا / تشيخيا)، كاسل، براغ، لايبزيج، ثم بودابست وهامبورغ ليعود إلى فيينا ليقود أوبرا البلاط (اوبرا الدولة اليوم) بين 1897 - 1907 ثم يغادرها إلى نيويورك ليقود المتروبوليتان. توفي مالر في فيينا ودفن في مقبرة غرنتسينغ.

لوح تذكاري عند البيت الذي سكنه سيبيليوس

يرى من يسير في شوارع فيينا الكثير من اللوحات التذكارية لهذا المؤلف أو ذاك، منهم سيبيليوس الذي أمضي فيها سنتين، وحولت بلدية فيينا عدداً من البيوت التي سكنوها إلى متاحف وبيوت تذكارية.


بيوت بيتهوفن


يهتم الأوروبيون بالحفاظ على تراثهم، فنراهم يرممون بيوت مشاهيرهم ويبقون على حالتها الأصلية إن أمكن، لا بل حتى يعيدون بناءها أن تهدمت، مثلما حصل في غالبية المدن الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية عندما مسح الانكليز والأمريكان أحياء تاريخية بكاملها عن وجه الأرض.

نجد في فيينا العديد من المتاحف الصغيرة مبثوثة في مختلف أحياء المدينة، هي بيوت أو شقق المشاهير. وقد قمت في زيارتي القصيرة إلى فيينا بزيارة عددٍ منها، ثلاثة بيوت سكنها بيتهوفن، والبيت الذي ولد فيه شوبرت والآخر الذي توفي فيه، وآخر بيت لهايدن وبيت ريشارد شتراوس الابن. للأسف لم أتمكن لضيق الوقت من زيارة المزيد من البيوت وهي كثيرة، فقد فاتتني بيوت موتسارت وبرامز وآخرين، لربما أزورها في سفرة مقبلة.

تنقل بيتهوفن بين العديد من البيوت في فيينا، يقال أنه انتقل 69 مرة خلال السنوات الخمسة والثلاثين التي قضاها في المدينة. أقام في بضعة منها تقع في هايلغنشتات، وكانت قرية خارج فيينا في ذلك الوقت قبل أن "تصلها" حدود العاصمة التي تتوسع. كتب في أحد البيوت التي حولت إلى متحف هناك سنة 1802 الوثيقة المشهورة باسم وصية هايليغنشتات التي كتبها وعَنوَنها إلى أخويه لكنها لم ترُسل، ولم يُعثر عليها إلا بعد وفاته في 1827. يتطرق بيتهوفن فيها إلى مرضه وصممه ووعيه المتأخر بأنه سيتعين عليه التعايش مع الصمم، وشكواه من الأطباء الذين اتهمهم بسوء علاجه، كما يتطرق فيها إلى القيم الإنسانية التي يؤمن بها.

 بيت بيتهوفن التذكاري في هايليغنشتات


نجد في البيت - المتحف لوحة ميلر الشهيرة من العام 1803، وخصلة من شعر بيتهوفن. وقد حلل فريق عالمي الخصل المنسوبة إلى بيتهوفن وهي كثيرة، بحثاً عن الخصل الحقيقية عبر تحليل الحامض النووي، وتركوا الخصل المزورة جانباً. عثر الباحثون على نسبة عالية من الرصاص في شعر بيتهوفن تقدر بـ 70 إلى 90 مرة أعلى من الحد، ونسب تفوق الحد من الزئبق والزرنيخ بمرات، وتمكنوا من تحديد الإصابة بمرض الكبد نوع ب، وشخصوا المخاطر الوراثية التي تسبب أمراض الكبد. لم يكن التسمم بالرصاص السبب الرئيس لصمم أو وفاة بيتهوفن، إنما كان عاملاً مهماً في ذلك. وكان الأطباء يستعملون أبخرة الزئبق في علاج بعض الأمراض آنئذ، وهو علاج غير ناجع ويسبب التسمم بالزئبق الذي يتراكم في الجسم. أما الرصاص فهو يتراكم في الجسم بسبب استعمال مادة خلات (أسيتات) الرصاص في تحلية الخمر وهي طريقة ابتكرها الرومان واستعلمت قرابة ألفي عام دون وعي بمخاطرها.

المبنى الذي يضم شقة بيتهوفن المعروف باسم باسكوالاتي

يقع البيت الآخر لبيتهوفن المعروف باسم بيت باسكوالاتي داخل المدينة مقابل جامعة فيينا وليس بعيداً عن مبنى البلدية الجميل والمسرح الشعبي الفخم. يقع المبنى على مرتفع هو بقايا سور المدينة الذي يعود إلى القرن السادس عشر، وربما هو نفس السور الذي شهد حصار العثمانيين الفاشل للمدينة. عاش بيتهوفن فيه ثمان سنين هي أطول فترة قضاها في شقة واحدة. كتب هناك أوبرا فيديليو وقطعة البيانو الشهيرة إلى أليزه، وأكمل فيها سيمفونياته الخامسة والسادسة.


بيوت شوبرت


ولد شوبرت في فيينا سنة 1797 وعاش حياته فيها وتوفي فيها سنة 1828، بعد عام ونصف من وفاة بيتهوفن. وقد حولت بلدية فيينا البيت الذي ولد فيه وبيت أخيه فرديناند الذي توفي فيه إلى متحفين يعرضان بعض الأغراض الشخصية والصور لشوبرت وعائلته. 

البيت الذي ولد فيه شوبرت


يعتقد أن شوبرت ولد في مطبخ البيت الذي يقع في الطابق الأول من البناية الواقعة في الحي التاسع اليوم، وكان تسلسله الثاني عشر من مجموع 14 طفل، لم يصل سن البلوغ إلا أربعة منهم. كان أبوه معلماً، وكانت المدرسة في الطابق الأرضي. وقد انتقلت العائلة الكبيرة في 1801 إلى بيت أكبر في بناية قريبة بسبب الحاجة إلى توسيع المدرسة. حفظ بيت مولده بأحسن حال، وهو من البيوت القليلة التي تعود إلى تلك الحقبة والتي بقيت على حالتها في الضواحي. من أهم محفوظاته نظارة المؤلف الدائرية الشهيرة، والبيانو العائد إلى أخيه إغنانتس.

نظارة شوبرت الشهيرة أهم معروضات بيت مولده


توفي شوبرت شاباً في الحادية والثلاثين من العمر، بعد حياة قصيرة وعاصفة لكنها مليئة بالخيبات، ولربما سوء الحظ إن كنّا نؤمن بذلك. يكمن سوء حظه (وحظ أقرانه من الموسيقيين الشباب) في معاصرته لبيتهوفن العظيم، فقد كان الموسيقيون الآخرين الذين عاشوا في ظل هذا العملاق يشعرون بضآلتهم أمامه. تميز شوبرت بالانطوائية أصلاً، وكان خجولاً. ثم عانى من أمراض يعتقد أن إحداها السفلس، وتشير الأعراض التي نعرفها إلى التسمم بالزئبق من صداع وآلام معوية مثلاً، فقد كان الأطباء يعالجون هذا المرض بأبخرة الزئبق، مما عجل بوفاته. لم يحصل شوبرت في حياته على الاعتراف بموهبته الفائقة وأهميته الاستثنائية في تاريخ الموسيقى. فهو أبو الاغنية (ليد) فقد أعطى هذا الشكل المعروف سابقاً أبعاداً جديدة ومعنى آخر، ولديه نحو 600 أغنية تعتبر قمة في هذا الفن. ألف 13 سيمفونية أكمل سبعاً منها فقط، ولديه عشرين عمل أوبرالي أو غنائي (مسرحية غنائية)، وهنا أيضاً عانى من منافسة شديدة ليست أقل من أوبرات روسيني، مما أدى إلى فشله في تقديم الكثير من أعماله المكتوبة باللغة الألمانية. وتحمل موسيقى البيانو التي ألفها شحنة عاطفية غير معهودة وأبعاداً درامية عميقة، وتتميز بأصالة الألحان التي ابتدعها وجمالها الفائق.،ونلمس فيها بذور العصر الرومانتيكي القادم. كان يؤلف ويعزف ويوزع مؤلفاته بين حلقة من الأصدقاء الذين كانوا على وعي بعبقرية صديقهم.

لم يحالفه الحظ كذلك في تقديم أعماله على المسرح، إلا قبيل وفاته. 

الممر المؤدي إلى الشقة التي توفي فيها شوبرت

توفي شوبرت في شقة أخيه فرديناند التي تقع بالقرب من سوق ناش الشهير ومسرح فيينا. وهي الشقة الثانية التي حولتها بلدية فيينا إلى مكان تذكاري تخليداً لإبن المدينة الشهير. وتنتشر كذلك اللوحات التذكارية التي تقتفي خطى شوبرت في المدينة، وهناك تماثيل له بينها تمثال جميل في حديقة المدينة التي يخترقها نُهير فيينا، ليس بعيداً عن تمثال يوهان شتراوس الذهبي الشهير.


بيت هايدن


عاش هايدن بين 1740 - 1761 في فيينا ثم انتقل لخدمة أمراء أسترهازي. ولد هايدن في قرية روراو سنة 1732 وكانت تقع وقتها على الحدود بين المملكة المجرية والنمسا السفلى، وتبعد نحو 45 كم شرقي العاصمة فيينا. أمضى هايدن ثلاثة عقود في خدمة أمراء أسترهازي في قصورهم الشتوي في آيزنشتات (حوالي 50 كم جنوب شرق فيينا)، والصيفي في أسترهازا (حوالي 90 كم جنوب شرق فيينا) وهي من أملاكهم في غربي المجر. لم يكن هايدن يزور فيينا خلال ذلك إلا نادراً، فقد كان ينتقل بين مقري أسترهازي صيفاً وشتاءا. وكان يحل في فيينا في الثمانينات من القرن الثامن عشر لفترات وجيزة يلتقي خلالها بأصدقائه، منهم موتسارت فيؤلفان رباعيا وترياً مع الموسيقيين كارل ديتر فون ديتّرزدورف (1739 - 1799) على الكمان الثاني ويوهان بابتيست فانهال (1739 - 1813) على التشيلو. 

تحرر هايدن قليلاً من أعباء الخدمة بعد وفاة الأمير أنتون أسترهازي سنة 1790، وحصل على حريته في الانتقال إلى فيينا والقيام بجولتيه اللندنيتين (1790-1792 و 1794 - 1795) مما جلب له ثروة مكنته من شراء بيت في فيينا وتجديده سنة 1793. يقع البيت في زقاق هايدن رقم 16 في منطقة غومبندورف ويتألف من طابقين كالعادة مع باحة صغيرة وحديقة جميلة. 

بيت هايدن

كان الخدم يسكنون ويعملون في الطابق الأرضي، بينما عاش الموسيقار في الطابق الأول. يعرض المتحف في طابقه الأرضي شيئاً عن تاريخ غومبندورف وكانت قرية ريفية ملاصقة لفيينا، أما اليوم فهي في قلب المدينة قريبة إلى محطة القطار الغربية. 

نرى في الغرف العلوية حيث غرفة نوم هايدن والصالون الذي استقبل فيه زواره القليل من المقتنيات الأصلية لهايدن، أحد أهمها هو الكلافيكورد الأصلي الذي استعمله الموسيقار، وبيانو من صنع يوهان ياكوب كونيكه 1796 استعمله هايدن في سنواته الأخيرة قبل وفاته في 1809.

بيانو كونيكه في بيت هايدن

يعرّف المتحف كذلك بمعلومات عن أهم عملين كتبهما في هذا البيت: أوراتوريو الخليقة (1798) واوراتوريو الفصول (1801) باستعمال نص ألفه غوتفريد فان سفيتن (1733 - 1803) وهو شاعر ودبلوماسي ومكتبي وموسيقي هاو من أصل هولندي، يعود الفضل له في اختراع نظام فهرسة المكتبات على أساس البطاقات. وعلى ذكر البطاقات، يعرض المتحف كذلك آخر بطاقة من بطاقات التعريف الشخصية التي استعملها هايدن وهي كثيرة. الطريف فيها أنها تحمل اسمه تحت سطرين من الموسيقى مع نص يقول: "كل حيلي راح / عجوز وضعيف أنا"!

بطاقة هايدن 

توفي هايدن في حزيران سنة 1809 بعد اسبوعين من احتلال جيوش نابليون المدينة الإمبراطورية. وكان هايدن يعزف النشيد الإمبراطوري :ليحمي الرب الإمبراطور فرانس" على البيانو الذي نراه في الطابق الأول يومياً، لكنه عزفه ثلاث مرات آخر مرة قبل وفاته. وهذا النشيد هو نفس النشيد الوطني الألماني اليوم كما نعلم. وقد دفن الموسيقار في الأول من حزيران بعد مراسم وداع قصيرة في كنيسة قريبة يحمل جدارها اليوم لوحاً تذكارياً من البرونز.


بيت شتراوس


كان يوهان شتراوس (الابن) (1825 - 1899) أبرز ممثلي عائلة شتراوس الفييناوية في القرن التاسع عشر. كان يوهان شتراوس الأب (1804 - 1849) مؤلفاً وقائد اوركسترا شهير في فيينا، اشتهر بتأليف الفالسات التي ارتبطت بفيينا منذ ذلك الحين، مثل مارش رادتسكي. أما شتراوس الابن فقد فاق أبيه في شهرته، واصبح نجماً بالمعنى المعاصر للكلمة. وأصبحت أعماله من رقصات الفالس مثل الدانوب الأزرق وأوبريتاته مثل الخفاش مرتبطة بمدينة فيينا، ويقدم الكثير منها في كل حفلات رأس السنة التي تقدمها فرقة فيينا الفيلهارمونية في صالة جمعية الموسيقى في الأول من كانون الثاني من كل عام وتنقلها مباشرة الكثير من الدول.

عاش شتراوس في فيينا وأسس فرقته سنة 1846 لينافس فرقة شتراوس الأب الذي هجر العائلة، ثم وحّدها مع فرقة الأب المنافسة بعد وفاة الأخير في 1849. مال الأب إلى جانب الامبراطور خلال الثورة البرجوازية التي اندلعت في فيينا يوم 13 آذار 1848، بينما مال الابن إلى الثورة، وكان وقتها فرقته في جولة موسيقية إلى البلقان. ألف مارش الثورة حال عودته إلى فيينا في أيار، لكن الثورة فشلت، فحرّم عليه دخول البلاط النمساوي لموقفه هذا وابتعد عن الأضواء قليلاً.

اشتهرت عائلة شتراوس بتأليف أشكال موسيقية هي المارش ورقصة الفالس ذات الإيقاع الثلاثي والبولكا ثنائية الإيقاع التي دخلت قاعات الموسيقى الرصينة بفضلهم. 

الممر المؤدي إلى شقة شتراوس

تقع الشقة التي عاش فيها شتراوس في السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر في شارع براتر قرب متنزه براتر الشهير بمدينة ألعابه التي يفخر بها المواطنين الفييناويين، وفي هذه الشقة بالذات ألف شتراوس فالس الدانوب الأزرق الذي قدم للمرة الأولى في 15 شباط 1876 بتوزيع غناء (كورس) وأوركسترا. طالب الجمهور المتحمس إعادة تقديمه فوراً لشدة إعجابه به، ومنذ ذلك الحين أصبح من علامات فيينا والنمسا. تعرض في الشقة مقتنيات كثيرة، مثل لوحات زيتية لشتراوس وتماثيل برونزية ونسخ من الصحف المحلية ومنشورات حفلاته وأعماله المطبوعة والكاريكاتيرات عنه، علاوة عن بيانو أهدته له شركة بوزندورفر النمساوية الشهيرة سنة 1896 وقربه أورغن صغير يقال أنه كان يستعمله أثناء التأليف في الليالي لأنه كان يستطيع العزف عليه بشكل خافت لئلا يزعج الجيران في الشقق المجاورة.

بيانو بوزندورفر والأورغن في بيت شتراوس

توجد كذلك في النفس الغرفة منضدة الكتابة التي ألف عليها الكثير من أعماله، وميزتها أنا مرتفعة لأنه كان يفضل الوقوف على الجلوس عن التأليف. يعرض كذلك كمان امتلكه شتراوس من صنع أماتي في أوائل القرن السابع عشر محفوظ في واجهة زجاجية مذهبة الإطار. وتوجد نسخة من غلاف طبعة مارش الثورة الذي يحمل تخطيطات تمثل الثوار، وقد صادرت السلطات النمساوية ورقابتها الطبعة فيما بعد.

تمثال شتراوس في متنزه المدينة

ويحتل تمثال شتراوس الابن المذهّب مكانا بارزاً في متنزه المدينة، وهو من معالم فيينا البارزة التي نجدها مبثوثة في الصور والدعايات السياحية عن المدينة.


متحف الأدوات الموسيقية  في فيينا


من حصاد سفرتي القصيرة إلى فيينا زيارة معرض الأدوات الموسيقية القديمة في متحف تاريخ الفن. تمتاز المجموعة بأنها تضم واحدة من أهم مجاميع الأدوات الموسيقية من عصري النهضة والباروك، وبعدد من الأدوات الموسيقية التي امتلكها أو استعملها موسيقيون كبار، مع عدد من أدوات البيانو الأولى (بيانوفورته) التي صنعت في ورشات فيينا المختلفة.

تعود جذور المجموعة إلى ما امتلكه أمير مقاطعة تيرول فرديناند الثاني (1529 - 1595) وهو أحد امراء عائلة هابسبورغ، وقد نقلت هذه المجموعة الثمينة التي ضمت نفائس فنون العصر من إنسبروك إلى فيينا خوفاً من تقدم جيوش نابليون سنة 1806. ألحقت بهذه المجموعة نفائس مجموعة إيطالية امتلكتها عائلة اوبيتزي (قرب بادوا بإيطاليا) تتألف من أدوات عصري النهضة المتأخر والباروك المبكر. نقلت المجموعة إلى فيينا في 1870 وجرى إلحاقها سنة 1914 بالمجموعة الإمبراطورية النمساوية. وقد أُكملت المجموعة كذلك بما تم تجميعه واقتناءه على مر السنين. تُعرض بعض نفائس المجموعة المتميزة عالمياً في مكانها الحالي في البلاط الإمبراطوري (هوفبورغ) منذ سنة 1947، وقد أكمل توسيعها بفتح غرف جديدة نجد فيها أدوات البيانو التاريخية سنة 1964.

عرضت في المتحف لوحات بورتريه أصلية لبيتهوفن الكهل (من رسم فالدمولر 1823)

بورتريه بيتهوفن (فالدمولر)

وآخر لبيتهوفن في عمر الثالثة عشرة (1783) وشوبرت الشاب (رسم آبل 1815)،
بورتريه شوبرت الشاب (آبل)

وكذلك بورتريهات وتماثيل نصفية لأهم أسطوات البيانو في ذلك العصر مثل أنتون فالتر وأندرياس شترايخر ويوهان شترايخر زوج نانيت شترايخر ابنة الأسطة الألماني الشهير من آوغسبورغ يوهان أندرياس شتاين، وكونراد غراف وآخرين.

وتبرز بين أدوات المجموعة أدوات بيانو مثل البيانو الخاص بفرانس ليست (من صنع ورشة أرار الفرنسية)، والبيانو الذي أهداه كونراد غراف للعازفة الماهرة كلارا فيك سنة 1839 قبل أن تتزوج روبرت شومان وتحمل اسمه. عزف عليه كل من كلارا وزوجها روبرت، بالإضافة إلى يوهانس برامز عند زيارته عائلة شومان في دوسلدورف. وهناك بيانو آخر يرتبط بكلارا شومان، هو بيانو من صنع شترايخر (1868) استعمل في افتتاح قاعة جمعية الموسيقى الشهيرة (Musikverein) سنة 1870 اختارته كلارا شومان لتقدم أول حفل في هذه القاعة التي ذاع صيتها. 

بيانو بوزندورفر المزخرف - معرض باريس العالمي 1867

يُعرض كذلك عدد من الأدوات الشهيرة، منها ما صنعته ورشة بوزندورفر الفييناوية خصيصاً لمعرض باريس العالمي سنة 1867، وقد نقش بنقوش كلاسيكية باذخة. وقدمت ورشة بوزندورفر كذلك بيانو هدية إلى الإمبراطور فرانس يوزف بمناسبة الذكرى الخمسين لجلوسه على العرش سنة 1898 وعليه الشعار الإمبراطوري، وقد أهداه الامبراطور بدوره إلى ابنته ماريا فاليريا.

يعرض متحف تاريخ الفن إلى جانب هذه المجموعة الموسيقية المهمة مجاميع ثمينة منها مجموعة فنون مصر والشرق الأدنى، ومجموعة الفنون الإغريقية والرومانية، ومجموعة المسكوكات ومجموعة الأسلحة والدروع الامبراطورية بضمنها عدد من الدروع والأسلحة العثمانية  بديعة الصنع.


ثائر صالح




بحث هذه المدونة الإلكترونية

صدر مؤخراً

موتسارت الاعجوبة

 تمثال موتسارت في  ڤيينا   البدايات   ت قول الرواية أن الملائكة تغني أعمال باخ عندما تمجد الرب، لكنها تغني أعمال موتسارت عندما تكون لوحدها. ...