الاثنين، 2 سبتمبر 2024

جولة موسيقية في هامبورغ



ارتبطت مدينة هامبورغ الواقعة في شمال ألمانيا بمينائها الذي يعد بين أهم موانئ الشمال الأوروبي. وهي اليوم من المدن الألمانية المتميزة بحياتها الموسيقية المتنوعة رفيعة المستوى، على الأخص بعد افتتاح قاعتها الموسيقية المعروفة بـ "ألبفيلهارموني" سنة 2017. جاء مطلع الاسم من نهر الألبه، وهو النهر الذي بنيت عنده المدينة التي تتميز بقنواتها العديدة وبحيراتها وجسورها التي وصل عددها 2500 جسرا.

تمتلك مدينة هامبورغ صلاحيات الولايات الألمانية، فهي، إلى جانب برلين وبريمن، واحدة من الولايات الألمانية الستة عشرة. لذلك يشغل عمدة المدينة منصب رئيس وزراء، وتكون البلدية مسؤولة عن كل جوانب الحياة بما فيها الحياة الموسيقية للمدينة وضواحيها حيث يسكن أكثر من خمسة ملايين شخص.

يرتبط موسيقيون كبار بالمدينة، مثل جورج فيليب تلمان (1681 - 1767) فقد أمضى فيها 46 سنة مديراً للموسيقى مسؤولاً عن خمس كنائس رئيسية فيها. وكان تلمان قد حصل على وظيفة منشد كنيسة توماس في لايبزيج لكنه أعتذر بعد أن تلقى من بلدية هامبورغ عرضاً جديداً براتب أفضل. أصبح باخ منشد كنيسة توماس بعد اعتذار الفائز الثاني بالمنصب، كريستوف غراوبنر. خلف ابن باخ، كارل فيليب إيمانويل (1714 - 1788) تلمان في منصب مدير الموسيقى في هامبورغ بعد وفاة الأخير، وكان باخ قد شغل قبلها وظيفة عازف الهاربسيكورد في بلاط الملك فريدريك الكبير في برلين.

من الموسيقيين الذين ولدوا في هامبورغ فيلكس مندلسون واخته فانّي هنسل، لكن العائلة انتقلت إلى برلين مبكراً. وأنجبت المدينة كذلك يوهانس برامز الذي عاش وعمل فيها إلى أن انتقل إلى فيينا بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وولد يوهان آدولف هاسه (1699 - 1783) مبعدة أميال من هامبورغ، وهو من أشهر وأكثر مؤلفي الأوبرا انتاجاً في وقته حتى أنه كان ينافس مؤلفي الأوبرا الطليان. غادر هامبورغ مبكراً ليعمل في نابولي لسنوات، ثم في بلاط دريسدن، انتقل بعدها إلى فيينا قبل أن يمضي سنواته الأخيرة في فينيسيا.

من مواليد المدينة بين الموسيقيين الأقل شهرة نذكر كارل راينكه (1824 - 1910) أحد تلاميذ مندلسون وشومان وليست في لايبزيج، وأصبح قائد فرقة جيفاندهاوس ودرس عنده عشرات الموسيقيين المرموقين، منهم النرويجي أدفارد غريغ والتشيكي ليوش ياناتشك والألماني ماكس بروخ. وولد فيها كذلك باول ديساو (1894 - 1979) الذي عرف بتعاونه مع برتولت بريشت.

وجذبت المدينة جورج فريدريش هندل حيث عمل فيها عند جورج أمير هانوفر في هامبورغ للسنوات بين 1703 - 1710، وهناك تصادق مع الموسيقى والباحث المولود فيها يوهان ماتسون (1681 - 1764). ويوجد قبر ماتسون إلى جانب قبر كارل فيليب إيمانويل في قبو  كنيسة هامبورغ الرئيسية، كنيسة القديس ميخائيل الجميلة. والطريف أن هندل أختلف مع مخدّمه الأمير وغادر هامبورغ إلى انكلترا، لكن الأقدار شاءت أن يعتلي الأمير عرش بريطانيا فواصل هندل خدمته بعد أن أصبح الملك جورج الأول.

وعمل غوستاف مالر في هامبورغ لست سنوات بين 1891-1897 قاد خلالها أوركسترا مسرح المدينة، ولم يبق من البيوت التي سكنها هناك سوى شقة قريبة إلى مكتبة الجامعة. عاش في المدينة كذلك الموسيقار الروسي ألماني الأصل الفريد شنيتكه (1934 - 1998) سنواته الأخيرة بعد تركه الاتحاد السوفيتي المنهار في 1990، وهو من الموسيقيين الطليعيين المعروفين في النصف الثاني من القرن العشرين. 


حي الموسيقيين



حي الموسيقيين


تولي بلدية المدينة اهتماماً كبيراً بالحفاظ على هذا التاريخ الموسيقي الغني، كالعادة في تلك البلاد. وهناك اليوم متحف في منطقة يطلق عليها اسم "حي الموسيقيين" في منطقة "المدينة الجديدة" وهي منطقة أعيد بناؤها تاريخياً وكانت تضم بيوت البرجوازيين والتجار، لأن القليل من الآثار المادية بقيت بعد أن دمر الانكليز والأمريكان الكثير من الأماكن التاريخية التي ترتبط بتاريخ المدينة خلال الحرب العالمية الثانية. يتألف حي الموسيقيين من مجموعة من البيوت المتلاصقة المبنية على طراز الباروك، ولا يرتبط أي منها مباشرة بأحد من الموسيقيين المذكورين قبل قليل، بل جرى تخصيص الشارع ليستضيف متاحف الموسيقيين المختلفين. وعلى العموم، باستثناء متحف برامز وهو الأقدم بينها (تأسس سنة 1971)، تحوي المتاحف القليل من المعروضات المرتبطة بالموسيقيين. لهذا يمكن اعتبار هذه المتاحف تذكاراً وتذكيراً بأبناء هامبورغ من الموسيقيين. فقد ركزت المتاحف على الوسائط المتعددة والتسجيلات الصوتية والأفلام، وعرض أغراض تمثل المرحلة التاريخية وبعض الأدوات الموسيقية. إلى جانب هذا تضم المتاحف مكتبة متخصصة مفتوحة أمام الباحثين المتخصصين.



فنجان قهوة برامز


متحف برامز هو أهم هذه المتاحف، فهو يعرض الكثير من المعروضات التي ترتبط بالموسيقار الذي عاش في المدينة حتى بلغ الثلاثين من عمره. أهمها بيانو منضدي بديع من خشب الماهوغاني بمفاتيح من العاج والأبنوس، من صنع شركة باومغارتن وهاينس (من هامبورغ) استعمله في سنوات 1861-1862، وكان يستعمله في تدريس تلاميذه. نرى كذلك بين المعروضات هدية من الكورس النسائي الذي قاده ودرّبه برامز عبارة عن عدة للكتابة مصنوعة من الفضة (1859). وكان الكورس المؤسس حديثاً يضم شابّات متحمسات أُعجبن بالموسيقي الشاب الوسيم والموهوب. قدمت الهدية مغنية فييناوية كان برامز مغرماً بها بعد حفل غنى الكورس فيه بعض أعمال برامز نفسه. نرى في الطابق الأرضي بعض الأغراض منها فنجان قهوة مؤرخ في 14 نيسان 1849 كتب عليه اسم يوهانس برامز، هدية من أستاذه بمناسبة تقديم برامز حفله الثاني كعازف بيانو ليقدم أعماله. ولم يبلغ برامز السادسة عشرة بعد وقتها.


بيانو برامز



ويمكن للزوار استعمال لوح تابلت يوفره المتحف لقراءة المزيد من التفاصيل والمعلومات عن كل المعروضات، وكذلك سماعات لسماع التسجيلات وبعض النصوص عند التجول في المتحف الصغير. من بين المعلومات الهامة تفاصيل صداقة برامز مع عازف الكمان المجري الماهر أدوارد رميني الذي تعلم منه بعض ألحان الغجر المجرية أصبحت الأساس الذي استعمله لتأليف رقصاته المجرية الشهيرة، وهي سلسلة من 21 رقصة مجرية ألف بعضها في هامبورغ.

أما المتاحف الباقية فهي متحف جورج فيليب تلمان (1681 - 1767) الذي كان مديراً للموسيقى في هامبورغ لست وأربعين سنة. تأسس المتحف الذي يعتبر الوحيد في العالم عن هذا الموسيقار العظيم سنة 2011، بينما تأسس متحفا كارل فيليب إيمانويل باخ (1714 - 1788) ويوهان أدولف هاسه (1699 - 1783) سنة 2015. وفي  سنة 2018  أضيفت معارض عن فيلكس مندلسون (1809 - 1847) واخته فانّي مندلسون (1805 - 1847) المولودان في هامبورغ، وغوستاف مالر (1760 - 1911) الذي عمل في هامبورغ بين 1891 - 1897.

كان تلمان من أشهر موسيقيي عصره، وأكثرهم انتاجاً في نفس الوقت، فقد زاد عددها من ثلاثة آلاف عمل. كان مسؤولاً عن الحياة الموسيقية في خمس من كنائس المدينة الرئيسية، أهمها وأكبرها كنيسة ميخائيل، وهي كنيسة جميلة بنيت في منتصف القرن السابع عشر، ولذلك ألّف أكثر من 1000 كانتاتا و 35 قداساً و 44 اوراتوريو عن آلام المسيح. لكنه نشط كذلك في تأليف الموسيقى الدنيوية، فألّف 40 أوبرا وأكثر من 600 من الافتتاحيات والمتتابعات، والكثير من أعمال الحجرة وأعمال اخرى مما يصعب حصره. وكان ينشر أعماله بنفسه، ويشرف على عملية النشر بكل مراحلها شخصياً. وقد طبعت أعماله خارج الدويلات الألمانية كذلك، خاصة في فرنسا حيث أمضى ثمانية أشهر للإشراف على طباعتها والانخراط في الحياة الموسيقية والثقافية هناك. ويوجد في متحف تلمان القليل من المقتنيات الشخصية، مثل بعض الأدوات الموسيقية، لكن المتحف يضم الكثير من المواد التعليمية المتوفرة عبر الوسائط المتعددة ومكتبة مهمة مفتوحة أمام الباحثين.

كان تلمان صديقاً لباخ والأب الروحي لأبنه الثاني، كارل فيليب إيمانويل الذي خلفه في منصبه مديرا للموسيقى في هامبورغ. عمل باخ هناك لعقدين من 1768 حتى وفاته، حيث كتب لكنائس المدينة 21 اوراتوريو عن آلام المسيح وحوالي 70 كانتاتا وموتيت وغيرها من الأعمال الطقسية للكنيسة. وقد دفن في قبو كنيسة ميخائيل بعد وفاته. وقد اختارت المدينة موقع حي الموسيقيين ليكون قريباً من هذه الكنيسة المهمة التي احترقت مرتين، في 1750 و 1906 وجرى تعميرها من جديد.


سجل التعميد الذي يؤرخ تعميد مالر



لا توجد في المتاحف مقتنيات شخصية كثيرة للموسيقيين الآخرين، بل جرى تنظيم عرضٍ متعدد الوسائط للتعريف بهم وبعلاقتهم بالمدينة، والظروف التي كانت سائدة فيها آنذاك. مثلا عُرض سجل للتعميد يعود إلى العام 1897، نقرأ فيه إشارة إلى "غوستاف مالر، من كاليتش، وكان يهودياً" بتاريخ 23 شباط. وقد أعتنق مالر المسيحية حسب المذهب الكاثوليكي في ذلك اليوم، ليزيد من حظوظ قبول طلبه لشغل منصب مدير دار الأوبرا في فيينا، إذ لا يعين في هذا المنصب سوى المسيحيين. وقد فاز مالر بالمنصب في آخر المطاف.

ويقع حي الموسيقيين مبعدة دقائق عن متحف تاريخ هامبورغ الذي توجد فيه مجموعة من الأدوات الموسيقية المهمة.


السلم المؤدي إلى الصالة الكبرى

صالة ألبفيلهارمونيه


أبرز معالم المدينة الآن هو صالة الموسيقى المسماة ألبفيلهارمونيه (Elbphilharmonie)، وهي المركز الموسيقي لفرقة راديو شمال ألمانيا الفيلهارمونية (NDR Elbphilharmonie Orchester). افتتحت البناية التي تطل على الميناء في 11 كانون الثاني 2017 وتمثل قمة التكنولوجيا المعاصرة في العمارة والتصميم. أنشأت الصالة التي صممها معماريان من سويسرا فوق بناية مبنية من الآجر كانت مخزناً في الأصل شُيّد سنة 1963، وجرى تطويرها وتحويلها إلى واحدة من عجائب العالم المعاصر بإضافة العديد من الطوابق فوق البناية الأصلية بواجهات زجاجية تبلغ مساحتها 16 ألف متر مربع، وتوّجت البناية بسقف متموج كأنه أشرعة سفينة ليصبح رمزها وشعارها. وهي تضم فندقاً وشققاً سكنية راقية ومكاتب ومرآب سيارات يتسع لـ 433 سيارة وثلاث صالات للموسيقى. "الصالة الكبرى" هي أكبرها بسعة 2098 شخص يجلسون على "شرفات" أو مدارج تتوزع حول المسرح، وهو التصميم المسمى "مزرعة الكروم". تليها في الحجم "صالة الحفلات" التي يبلغ عدد مقاعدها 550 مقعداً، وهي مصممة بالتصميم الكلاسيكي المسمى "علبة الأحذية" كناية عن أبعاد القاعة التي تشبه علب الأحذية. وهناك قاعة ثالثة تسع 170 شخص تستعمل لأغراض تعليمية.

زيارة البناية متعة بحد ذاتها. فالطابق الثامن - ويُعرف بألبفيلهارمونيه بلازا - مفتوح أمام العامة، هناك توجد مداخل القاعات الموسيقية. نجد فيه مقاه ومطاعم وشرفة تمتد حول البناية يمكن منها رؤية المدينة من كل الاتجاهات ويصعد إليه الزائر عن طريق درج كهربائي فريد من نوعه، فهو مقوّس أو محدّب وليس درجاً كهربائياً معتاداً ينقل الإنسان إلى الطوابق الأعلى بزاوية واحدة مثل باقي الأدراج الكهربائية.

الصالة الكبرى إنجاز أكوستيكي (نسبة إلى الأكوستيكا، علم الصوت) بارز بحد ذاتها، فقد غطى المصمم الياباني ياسوهيسا تويوتا جدران جدران وسقف القاعة بقرابة 10000 قطعة مصنوعة من الجبسوم والألياف الزجاجية مصممة بعناية لتوجيه الموجات الصوتية من أجل الحصول على نوعية صوت بجودة عالية، وهي نفس التقنية المستعملة في صالة الحفلات. ويخدم القاعة نظام تهوية بكفاءة عالية يحافظ على درجة حرارة ونسبة رطوبة ثابتة بغض النظر عن امتلاء القاعة بالناس أم لا، وهذا هو أحد الشروط الأساسية للحفاظ على الأدوات الموسيقية الحساسة التي تتأثر بتغير الحرارة والرطوبة بشكل كبير، وتجنيب المغنين الصعوبات التي يسببها تغير الرطوبة والحرارة. إذ توجد فتحة تهوية تحت كل كرسي من الكراسي الموجودة في القاعة، بينما تمتد شبكة من أنابيب التهوية يصل طولها عدة كيلومترات. كما صممت المقاعد بطريقة مبتكرة حتى تمتص الموجات الصوتية، فلا يوجد فرق في نوعية الصوت إن كانت المقاعد مشغولة بالمستمعين أم لا.

أداة الكاريلّون ونرى الأحراس والغرفة الزجاجية التي يوحد فيها لوح "المفاتيح"


حفلة في الكنيسة المدمرة


 مُسحت بنايات وأحياء كاملة في مركز المدينة والميناء في الغارات الشهيرة في تموز 1943، بينها كنيسة القديس نيقولا. وقد قتل ما يزيد عن 43 ألف شخص في تلك الغارة. وأُبقي بعد الحرب على أطلال كنيسة القديس نيقولا التي لم يبق منها سوى الجدران وبرجها كتذكار للمآسي التي سببتها الحرب للأطراف المتحاربة، إذ لم يبق منها سوى برجها المهيب الذي استعمله الطيارون نقطة استدلال لتعيين الاحداثيات بسبب ارتفاعه البالغ 147 مترا. الكنيسة هي واحدة من الكنائس الانجيلية (اللوثرية) الخمس الرئيسية في هامبورغ، وكان تلمان مديراً للنشاطات الموسيقية في هذه الكنائس كما ذكرت. شيدت الكنيسة في هذا الموقع في العام 1195 وكانت من الخشب وقتها قبل أن يعاد تشييدها من الآجر في القرن الرابع عشر. تدمرت هياكلها الخشبية حريق هامبورغ الكبير في 1842 الذي استمر لثلاثة أيام والتهم ثلث المدينة القديمة، فأُعيد تشييدها مرة أخرى في 1874 على الطراز القوطي الجديد من تصميم المعماري الإنكليزي جورج جلبرت سكوت ليكون برجها الأطول في أوروبا قبل إنجاز برج كاتدرائية رون الفرنسية سنة 1876 والذي بلغ ارتفاعه 151 مترا.

لم يجري تعمير الكنيسة بعد الحرب، بل استعمل بعض حجارتها في تقوية وتصليح سدود نهر الألبه سنة 1951. في الختام حوّلت الأطلال إلى موقع للتذكير بأهوال الحروب على العموم وأُنشئ متحف في قبوها يعرض الكثير من اللقى. وتمت صيانة البرج في تسعينات القرن الماضي ومن جديد في 2012، وشيد سنة 2005 مصعد كهربائي بجدران زجاجية لنقل الزوار إلى منصة البانوراما على ارتفاع 76 متراً في البرج. كما نصبت أداة موسيقية تسمى كاريلّون (Carillon) علقت أجراسها الواحد والخمسين في البرج سنة 1993. ترتبط مجموعة الأجراس التي صبت من البرونز بنغمات وفق السلم الكروماتي بمجموعة من "المفاتيح" ودواسات الأرجل مثل جهاز الأورغن الكبير، يضرب عليها العازف بيديه ويدوس عليها برجليه لتقديم الأعمال الموسيقية. يزن أصغر جرس تسعة كيلوغرامات بينما يزن أكبرها أكثر من طنين بقليل، ويبلغ وزن الأجراس مجتمعة 13 طناً. وهذه الأداة الغريبة ليست نادرة الوجود كما تبين، إذ يوجد مئات منها في هولندا والولايات المتحدة الأمريكية وهولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا والدنمارك وفي دول أخرى، غالباً في الكنائس. وهناك اتحاد عالمي يجمع 15 منظمة وطنية تهتم بالترويج لهذه الأداة ودعم الموسيقيين المهتمين بها. 

يستقطب اليوم هذا المعلم التذكاري الزوار الذين يرتقون منصة البرج للحصول على واحدة من أفضل الإطلالات لرؤية معالم المدينة الكبيرة من الأعلى. وتقدم أعمال موسيقية حية على أجراس الكاريلّون مرة واحدة اسبوعياً كل خميس في منتصف النهار، ويستغرق تقديم الموسيقى زهاء نصف ساعة تقدم فيها مختلف الأعمال الموسيقية قديمها وحديثها. وتضمن برنامجها الذي استمعت إليه أثناء زيارتي المدينة ميزت فيه أعمالاً لموتسارت وشاربانتييه وتاسعة بيتهوفن وهايدن. ويتغير هذا البرنامج باستمرار، حسب تغير العازفين على هذه الأداة، مثلا سيقدم الأسبوع القادم برنامج معاصر يتألف من روائع موسيقى البوب الحديثة.


كنيسة ميخائيل



ثائر صالح


الأحد، 28 يوليو 2024

جولة موسيقية في فيينا

مدينة تعج بالموسيقيين



فيينا! من أجمل المدن الأوروبية وأكثرها رخاء، تتمتع بإرث ثقافي ومعماري متميز. لها مكانة خاصة في تاريخ الموسيقى الأوروبية لا تمتلكها أية مدينة سواها، ربما تنافسها فينيسيا الإيطالية لوحدها في عراقتها الموسيقية في العصور السابقة. سيجد المرء صلات موسيقية تاريخية في كل خطوة يسيرها في شوارع فيينا، هذا عن الماضي، أما اليوم فهي لا تزال تحتل مركزاً موسيقياً عالمياً مرموقا: يكفي أن نذكر معدل عدد من يحضر حفلات موسيقية يومياً في المدينة يصل عشرة آلاف شخص! واليوم لا يمر عام دون حفلة العام الجديد التي تُبث من فيينا، وتحتل فرقها الصدارة سواء دار الأوبرا الشهيرة أو فرقة فيينا الفيلهارمونية.



سيطرت فيينا على الموسيقى بشكل واضح قبيل وأثناء انتهاء عصر الباروك (حوالي منتصف القرن الثامن عشر)، عندما ظهرت مدرسة فيينا (الكلاسيكية)، أبرز ممثليها هايدن وموتسارت وبيتهوفن وشوبرت، ثم برزت الفترة الرومانتيكية والرومانتيكية المتأخرة متمثلة بالألماني يوهانس برامز والنمساوي أنتون بروكنر والبوهيمي غوستاف مالر، وبالتوازي معها برز فن الموسيقى "الخفيفة" الذي تمحور حول عائلة شتراوس ومؤلفي الأوبريت الفييناوي يوهان شتراوس الابن والدلماتي فرانس فون سوبيه والمجري فرنس لهار والمجري الآخر إمره كالمان، حتى نصل ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية وقيام الجمهورية النمساوية، ومعها مدرسة فيينا الثانية التي أسسها أرنولد شونبرغ (تحتفل فيينا بالذكرى الخمسين بعد المئة لولادته هذا العام)، وأنتون فون فيبرن وألبان برغ.

لكن الموسيقى في فيينا لا تقتصر على المؤلفين الموسيقيين العظام، إذ لا توجد موسيقى عظيمة دون نظام تربوي ناجح ومؤسسة تعليمية موسيقية متطورة. كانت فيينا تعج بمدارس الموسيقى التي أدارها مربّون موسيقيون من إيطاليا في البداية، إذ كانت العلاقات مع إيطاليا أقوى من تلك مع الدويلات الألمانية البروتستانتية لأسباب مذهبية. وكان الموسيقيون يكملون دخلهم بتقديم دروس الموسيقى. نذكر هنا الموسيقار النمساوي مدير فرقة بلاط هابسبورغ يوهان يوزف فوكس (1660 - 1741) وكتابه النظري الشامل الشهير عن الموسيقى الذي تعلمت منه أجيال الموسيقيين اللاحقين من هايدن وموتسارت إلى بيتهوفن.

كما لا توجد موسيقى دون أدوات موسيقية. فانتشرت ورشات صناعة الأدوات الموسيقية في فيينا، ولا بد من القول أن البيانو (واسمه الأول فورتَبيانو) لم يتطور إلا في فيينا رغم اختراعه من قبل الإيطالي كريستوفوري في مطلع القرن الثامن عشر ونشره من قبل الأسطة الألماني الكبير زِلْبَرمان (1683 - 1753) أهم من صنع أدوات الأورغن ثم الهاربسيكورد وباقي أدوات المفاتيح في مدينة فرايبَرغ (سكسونيا). فقد كثرت ورشات صناعة البيانو في فيينا مع حلول الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وظهرت ورش شترايخر وفالتر وغراف، ثم ظهرت الماركة الأشهر: بوزندورفر، فقد أسس إغناتس بوزندورفر ورشته في 1828 ولا تزال تعتبر واحدة من الماركات الشهيرة في عالم صناعة البيانو. ويوجد معرض بيانوات بوزندورفر في نفس مبنى قاعة جمعية الموسيقى (Musikverein) التي تقام فيها حفلات راس السنة الشهيرة، وتقع في الشارع المسمى شارع بوزندورفر.


فيينا الجاذبة


ذكرت قبل قليل بضعة أسماء، بينها أسماء موسيقيين أجانب جذبتهم فيينا إليها فأمضوا جزءاً كبيراً من حياتهم يعملون فيها. أحد الأسباب هو رعاية عائلة هابسبورغ للفنون والموسيقى، بينما تنافس النبلاء والارستقراطيين في تمويل فرقهم الخاصة بهم، كما هو الحال مع عائلة أمراء أسترهازي الذين عمل هايدن عندهم لعقود. كان بيتهوفن أحد أكثرهم شهرة لا ريب، فهو الذي ولد في مدينة بون الألمانية في سنة  1770 قد انتقل إلى فيينا سنة 1792 وهو في الثانية والعشرين ليعيش ويموت فيها سنة 1827. العبقري الثاني هو موتسارت، جذبته فيينا بعد سنوات أمضاها في خدمة اسقف زالتسبورغ حيث ولد في 1756، وكان في الخامسة والعشرين من عمره ليموت فيها بعد عشرة أعوام.

الموسيقار الآخر الذي نذكره هنا، هو يوهانس برامز، فقد ولد في هامبورغ الألمانية في الشمال سنة 1833 وانتقل إلى فيينا متأخراً نسبياً، سنة 1872، قبيل بلوغه الأربعين ليعيش ويبدع أعظم أعماله ويموت فيها.

قبلهم جاء الفينيسي العظيم أنطونيو فيفالدي إلى فيينا في 1740 على الأغلب، ربما لتقديم بعض أعماله هناك بدعم من القيصر كارل السادس. لكن الأخير توفي في تشرين الأول 1740 تاركاً فيفالدي دون معين، مما أدى إلى فقدانه كل مدخراته، ثم وفاته في تموز 1741 فقيراً. دفن فيفالدي بمراسيم بسيطة في مقبرة تابعة لمستشفى عام أزيلت أواخر القرن الثامن عشر، تقع بالقرب من كنيسة كارل الباروكية الجميلة، ضمن منطقة بناية كلية الهندسة. ويشير إلى ذلك  لوح تذكاري موجود على جدار المبنى الرئيسي لكلية الهندسة، وكان موضوع ثاني صورة ألتقطها فور وصولي فيينا بعد صورة كنيسة كارل.

لوح تذكاري عن موقع قبر فيفالدي

وتوفي الموسيقي الألماني مؤلف الأوبرا اللامع كريستوف فيليبالد غلوك في فيينا كذلك سنة
 1787، حيث عاش قرابة ثلاثة عقود، ومثله تلميذه الإيطالي أنطونيو سالييري (1750 - 1825) بعد إقامة طويلة في فيينا.
كان هذا الحال مع العديد من الموسيقيين المولودين في أراضي الامبراطورية كذلك، كان أنطون بروكنر (1824 - 1896) أحدهم، فقد ولد في قرية قرب لينتس (نحو 180 كم غربي فيينا)، وانتقل إلى العاصمة في 1868 ليدرّس في الكونسرفاتوار ويؤلف سيمفونياته الشهيرة. أما العبقري غوستاف مالر (1860 - 1911) فقد ولد في يهلافا (في تشيخيا اليوم) ودخل أكاديمية الموسيقى في فيينا سنة 1875. تنقل مالر بين مختلف المدن بعد تخرجه، إذ عمل كقائد اوركسترا في ليوبليانا (سلوفينيا اليوم) ثم أولوموتس (في مورافيا / تشيخيا)، كاسل، براغ، لايبزيج، ثم بودابست وهامبورغ ليعود إلى فيينا ليقود أوبرا البلاط (اوبرا الدولة اليوم) بين 1897 - 1907 ثم يغادرها إلى نيويورك ليقود المتروبوليتان. توفي مالر في فيينا ودفن في مقبرة غرنتسينغ.

لوح تذكاري عند البيت الذي سكنه سيبيليوس

يرى من يسير في شوارع فيينا الكثير من اللوحات التذكارية لهذا المؤلف أو ذاك، منهم سيبيليوس الذي أمضي فيها سنتين، وحولت بلدية فيينا عدداً من البيوت التي سكنوها إلى متاحف وبيوت تذكارية.


بيوت بيتهوفن


يهتم الأوروبيون بالحفاظ على تراثهم، فنراهم يرممون بيوت مشاهيرهم ويبقون على حالتها الأصلية إن أمكن، لا بل حتى يعيدون بناءها أن تهدمت، مثلما حصل في غالبية المدن الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية عندما مسح الانكليز والأمريكان أحياء تاريخية بكاملها عن وجه الأرض.

نجد في فيينا العديد من المتاحف الصغيرة مبثوثة في مختلف أحياء المدينة، هي بيوت أو شقق المشاهير. وقد قمت في زيارتي القصيرة إلى فيينا بزيارة عددٍ منها، ثلاثة بيوت سكنها بيتهوفن، والبيت الذي ولد فيه شوبرت والآخر الذي توفي فيه، وآخر بيت لهايدن وبيت ريشارد شتراوس الابن. للأسف لم أتمكن لضيق الوقت من زيارة المزيد من البيوت وهي كثيرة، فقد فاتتني بيوت موتسارت وبرامز وآخرين، لربما أزورها في سفرة مقبلة.

تنقل بيتهوفن بين العديد من البيوت في فيينا، يقال أنه انتقل 69 مرة خلال السنوات الخمسة والثلاثين التي قضاها في المدينة. أقام في بضعة منها تقع في هايلغنشتات، وكانت قرية خارج فيينا في ذلك الوقت قبل أن "تصلها" حدود العاصمة التي تتوسع. كتب في أحد البيوت التي حولت إلى متحف هناك سنة 1802 الوثيقة المشهورة باسم وصية هايليغنشتات التي كتبها وعَنوَنها إلى أخويه لكنها لم ترُسل، ولم يُعثر عليها إلا بعد وفاته في 1827. يتطرق بيتهوفن فيها إلى مرضه وصممه ووعيه المتأخر بأنه سيتعين عليه التعايش مع الصمم، وشكواه من الأطباء الذين اتهمهم بسوء علاجه، كما يتطرق فيها إلى القيم الإنسانية التي يؤمن بها.

 بيت بيتهوفن التذكاري في هايليغنشتات


نجد في البيت - المتحف لوحة ميلر الشهيرة من العام 1803، وخصلة من شعر بيتهوفن. وقد حلل فريق عالمي الخصل المنسوبة إلى بيتهوفن وهي كثيرة، بحثاً عن الخصل الحقيقية عبر تحليل الحامض النووي، وتركوا الخصل المزورة جانباً. عثر الباحثون على نسبة عالية من الرصاص في شعر بيتهوفن تقدر بـ 70 إلى 90 مرة أعلى من الحد، ونسب تفوق الحد من الزئبق والزرنيخ بمرات، وتمكنوا من تحديد الإصابة بمرض الكبد نوع ب، وشخصوا المخاطر الوراثية التي تسبب أمراض الكبد. لم يكن التسمم بالرصاص السبب الرئيس لصمم أو وفاة بيتهوفن، إنما كان عاملاً مهماً في ذلك. وكان الأطباء يستعملون أبخرة الزئبق في علاج بعض الأمراض آنئذ، وهو علاج غير ناجع ويسبب التسمم بالزئبق الذي يتراكم في الجسم. أما الرصاص فهو يتراكم في الجسم بسبب استعمال مادة خلات (أسيتات) الرصاص في تحلية الخمر وهي طريقة ابتكرها الرومان واستعلمت قرابة ألفي عام دون وعي بمخاطرها.

المبنى الذي يضم شقة بيتهوفن المعروف باسم باسكوالاتي

يقع البيت الآخر لبيتهوفن المعروف باسم بيت باسكوالاتي داخل المدينة مقابل جامعة فيينا وليس بعيداً عن مبنى البلدية الجميل والمسرح الشعبي الفخم. يقع المبنى على مرتفع هو بقايا سور المدينة الذي يعود إلى القرن السادس عشر، وربما هو نفس السور الذي شهد حصار العثمانيين الفاشل للمدينة. عاش بيتهوفن فيه ثمان سنين هي أطول فترة قضاها في شقة واحدة. كتب هناك أوبرا فيديليو وقطعة البيانو الشهيرة إلى أليزه، وأكمل فيها سيمفونياته الخامسة والسادسة.


بيوت شوبرت


ولد شوبرت في فيينا سنة 1797 وعاش حياته فيها وتوفي فيها سنة 1828، بعد عام ونصف من وفاة بيتهوفن. وقد حولت بلدية فيينا البيت الذي ولد فيه وبيت أخيه فرديناند الذي توفي فيه إلى متحفين يعرضان بعض الأغراض الشخصية والصور لشوبرت وعائلته. 

البيت الذي ولد فيه شوبرت


يعتقد أن شوبرت ولد في مطبخ البيت الذي يقع في الطابق الأول من البناية الواقعة في الحي التاسع اليوم، وكان تسلسله الثاني عشر من مجموع 14 طفل، لم يصل سن البلوغ إلا أربعة منهم. كان أبوه معلماً، وكانت المدرسة في الطابق الأرضي. وقد انتقلت العائلة الكبيرة في 1801 إلى بيت أكبر في بناية قريبة بسبب الحاجة إلى توسيع المدرسة. حفظ بيت مولده بأحسن حال، وهو من البيوت القليلة التي تعود إلى تلك الحقبة والتي بقيت على حالتها في الضواحي. من أهم محفوظاته نظارة المؤلف الدائرية الشهيرة، والبيانو العائد إلى أخيه إغنانتس.

نظارة شوبرت الشهيرة أهم معروضات بيت مولده


توفي شوبرت شاباً في الحادية والثلاثين من العمر، بعد حياة قصيرة وعاصفة لكنها مليئة بالخيبات، ولربما سوء الحظ إن كنّا نؤمن بذلك. يكمن سوء حظه (وحظ أقرانه من الموسيقيين الشباب) في معاصرته لبيتهوفن العظيم، فقد كان الموسيقيون الآخرين الذين عاشوا في ظل هذا العملاق يشعرون بضآلتهم أمامه. تميز شوبرت بالانطوائية أصلاً، وكان خجولاً. ثم عانى من أمراض يعتقد أن إحداها السفلس، وتشير الأعراض التي نعرفها إلى التسمم بالزئبق من صداع وآلام معوية مثلاً، فقد كان الأطباء يعالجون هذا المرض بأبخرة الزئبق، مما عجل بوفاته. لم يحصل شوبرت في حياته على الاعتراف بموهبته الفائقة وأهميته الاستثنائية في تاريخ الموسيقى. فهو أبو الاغنية (ليد) فقد أعطى هذا الشكل المعروف سابقاً أبعاداً جديدة ومعنى آخر، ولديه نحو 600 أغنية تعتبر قمة في هذا الفن. ألف 13 سيمفونية أكمل سبعاً منها فقط، ولديه عشرين عمل أوبرالي أو غنائي (مسرحية غنائية)، وهنا أيضاً عانى من منافسة شديدة ليست أقل من أوبرات روسيني، مما أدى إلى فشله في تقديم الكثير من أعماله المكتوبة باللغة الألمانية. وتحمل موسيقى البيانو التي ألفها شحنة عاطفية غير معهودة وأبعاداً درامية عميقة، وتتميز بأصالة الألحان التي ابتدعها وجمالها الفائق.،ونلمس فيها بذور العصر الرومانتيكي القادم. كان يؤلف ويعزف ويوزع مؤلفاته بين حلقة من الأصدقاء الذين كانوا على وعي بعبقرية صديقهم.

لم يحالفه الحظ كذلك في تقديم أعماله على المسرح، إلا قبيل وفاته. 

الممر المؤدي إلى الشقة التي توفي فيها شوبرت

توفي شوبرت في شقة أخيه فرديناند التي تقع بالقرب من سوق ناش الشهير ومسرح فيينا. وهي الشقة الثانية التي حولتها بلدية فيينا إلى مكان تذكاري تخليداً لإبن المدينة الشهير. وتنتشر كذلك اللوحات التذكارية التي تقتفي خطى شوبرت في المدينة، وهناك تماثيل له بينها تمثال جميل في حديقة المدينة التي يخترقها نُهير فيينا، ليس بعيداً عن تمثال يوهان شتراوس الذهبي الشهير.


بيت هايدن


عاش هايدن بين 1740 - 1761 في فيينا ثم انتقل لخدمة أمراء أسترهازي. ولد هايدن في قرية روراو سنة 1732 وكانت تقع وقتها على الحدود بين المملكة المجرية والنمسا السفلى، وتبعد نحو 45 كم شرقي العاصمة فيينا. أمضى هايدن ثلاثة عقود في خدمة أمراء أسترهازي في قصورهم الشتوي في آيزنشتات (حوالي 50 كم جنوب شرق فيينا)، والصيفي في أسترهازا (حوالي 90 كم جنوب شرق فيينا) وهي من أملاكهم في غربي المجر. لم يكن هايدن يزور فيينا خلال ذلك إلا نادراً، فقد كان ينتقل بين مقري أسترهازي صيفاً وشتاءا. وكان يحل في فيينا في الثمانينات من القرن الثامن عشر لفترات وجيزة يلتقي خلالها بأصدقائه، منهم موتسارت فيؤلفان رباعيا وترياً مع الموسيقيين كارل ديتر فون ديتّرزدورف (1739 - 1799) على الكمان الثاني ويوهان بابتيست فانهال (1739 - 1813) على التشيلو. 

تحرر هايدن قليلاً من أعباء الخدمة بعد وفاة الأمير أنتون أسترهازي سنة 1790، وحصل على حريته في الانتقال إلى فيينا والقيام بجولتيه اللندنيتين (1790-1792 و 1794 - 1795) مما جلب له ثروة مكنته من شراء بيت في فيينا وتجديده سنة 1793. يقع البيت في زقاق هايدن رقم 16 في منطقة غومبندورف ويتألف من طابقين كالعادة مع باحة صغيرة وحديقة جميلة. 

بيت هايدن

كان الخدم يسكنون ويعملون في الطابق الأرضي، بينما عاش الموسيقار في الطابق الأول. يعرض المتحف في طابقه الأرضي شيئاً عن تاريخ غومبندورف وكانت قرية ريفية ملاصقة لفيينا، أما اليوم فهي في قلب المدينة قريبة إلى محطة القطار الغربية. 

نرى في الغرف العلوية حيث غرفة نوم هايدن والصالون الذي استقبل فيه زواره القليل من المقتنيات الأصلية لهايدن، أحد أهمها هو الكلافيكورد الأصلي الذي استعمله الموسيقار، وبيانو من صنع يوهان ياكوب كونيكه 1796 استعمله هايدن في سنواته الأخيرة قبل وفاته في 1809.

بيانو كونيكه في بيت هايدن

يعرّف المتحف كذلك بمعلومات عن أهم عملين كتبهما في هذا البيت: أوراتوريو الخليقة (1798) واوراتوريو الفصول (1801) باستعمال نص ألفه غوتفريد فان سفيتن (1733 - 1803) وهو شاعر ودبلوماسي ومكتبي وموسيقي هاو من أصل هولندي، يعود الفضل له في اختراع نظام فهرسة المكتبات على أساس البطاقات. وعلى ذكر البطاقات، يعرض المتحف كذلك آخر بطاقة من بطاقات التعريف الشخصية التي استعملها هايدن وهي كثيرة. الطريف فيها أنها تحمل اسمه تحت سطرين من الموسيقى مع نص يقول: "كل حيلي راح / عجوز وضعيف أنا"!

بطاقة هايدن 

توفي هايدن في حزيران سنة 1809 بعد اسبوعين من احتلال جيوش نابليون المدينة الإمبراطورية. وكان هايدن يعزف النشيد الإمبراطوري :ليحمي الرب الإمبراطور فرانس" على البيانو الذي نراه في الطابق الأول يومياً، لكنه عزفه ثلاث مرات آخر مرة قبل وفاته. وهذا النشيد هو نفس النشيد الوطني الألماني اليوم كما نعلم. وقد دفن الموسيقار في الأول من حزيران بعد مراسم وداع قصيرة في كنيسة قريبة يحمل جدارها اليوم لوحاً تذكارياً من البرونز.


بيت شتراوس


كان يوهان شتراوس (الابن) (1825 - 1899) أبرز ممثلي عائلة شتراوس الفييناوية في القرن التاسع عشر. كان يوهان شتراوس الأب (1804 - 1849) مؤلفاً وقائد اوركسترا شهير في فيينا، اشتهر بتأليف الفالسات التي ارتبطت بفيينا منذ ذلك الحين، مثل مارش رادتسكي. أما شتراوس الابن فقد فاق أبيه في شهرته، واصبح نجماً بالمعنى المعاصر للكلمة. وأصبحت أعماله من رقصات الفالس مثل الدانوب الأزرق وأوبريتاته مثل الخفاش مرتبطة بمدينة فيينا، ويقدم الكثير منها في كل حفلات رأس السنة التي تقدمها فرقة فيينا الفيلهارمونية في صالة جمعية الموسيقى في الأول من كانون الثاني من كل عام وتنقلها مباشرة الكثير من الدول.

عاش شتراوس في فيينا وأسس فرقته سنة 1846 لينافس فرقة شتراوس الأب الذي هجر العائلة، ثم وحّدها مع فرقة الأب المنافسة بعد وفاة الأخير في 1849. مال الأب إلى جانب الامبراطور خلال الثورة البرجوازية التي اندلعت في فيينا يوم 13 آذار 1848، بينما مال الابن إلى الثورة، وكان وقتها فرقته في جولة موسيقية إلى البلقان. ألف مارش الثورة حال عودته إلى فيينا في أيار، لكن الثورة فشلت، فحرّم عليه دخول البلاط النمساوي لموقفه هذا وابتعد عن الأضواء قليلاً.

اشتهرت عائلة شتراوس بتأليف أشكال موسيقية هي المارش ورقصة الفالس ذات الإيقاع الثلاثي والبولكا ثنائية الإيقاع التي دخلت قاعات الموسيقى الرصينة بفضلهم. 

الممر المؤدي إلى شقة شتراوس

تقع الشقة التي عاش فيها شتراوس في السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر في شارع براتر قرب متنزه براتر الشهير بمدينة ألعابه التي يفخر بها المواطنين الفييناويين، وفي هذه الشقة بالذات ألف شتراوس فالس الدانوب الأزرق الذي قدم للمرة الأولى في 15 شباط 1876 بتوزيع غناء (كورس) وأوركسترا. طالب الجمهور المتحمس إعادة تقديمه فوراً لشدة إعجابه به، ومنذ ذلك الحين أصبح من علامات فيينا والنمسا. تعرض في الشقة مقتنيات كثيرة، مثل لوحات زيتية لشتراوس وتماثيل برونزية ونسخ من الصحف المحلية ومنشورات حفلاته وأعماله المطبوعة والكاريكاتيرات عنه، علاوة عن بيانو أهدته له شركة بوزندورفر النمساوية الشهيرة سنة 1896 وقربه أورغن صغير يقال أنه كان يستعمله أثناء التأليف في الليالي لأنه كان يستطيع العزف عليه بشكل خافت لئلا يزعج الجيران في الشقق المجاورة.

بيانو بوزندورفر والأورغن في بيت شتراوس

توجد كذلك في النفس الغرفة منضدة الكتابة التي ألف عليها الكثير من أعماله، وميزتها أنا مرتفعة لأنه كان يفضل الوقوف على الجلوس عن التأليف. يعرض كذلك كمان امتلكه شتراوس من صنع أماتي في أوائل القرن السابع عشر محفوظ في واجهة زجاجية مذهبة الإطار. وتوجد نسخة من غلاف طبعة مارش الثورة الذي يحمل تخطيطات تمثل الثوار، وقد صادرت السلطات النمساوية ورقابتها الطبعة فيما بعد.

تمثال شتراوس في متنزه المدينة

ويحتل تمثال شتراوس الابن المذهّب مكانا بارزاً في متنزه المدينة، وهو من معالم فيينا البارزة التي نجدها مبثوثة في الصور والدعايات السياحية عن المدينة.


متحف الأدوات الموسيقية  في فيينا


من حصاد سفرتي القصيرة إلى فيينا زيارة معرض الأدوات الموسيقية القديمة في متحف تاريخ الفن. تمتاز المجموعة بأنها تضم واحدة من أهم مجاميع الأدوات الموسيقية من عصري النهضة والباروك، وبعدد من الأدوات الموسيقية التي امتلكها أو استعملها موسيقيون كبار، مع عدد من أدوات البيانو الأولى (بيانوفورته) التي صنعت في ورشات فيينا المختلفة.

تعود جذور المجموعة إلى ما امتلكه أمير مقاطعة تيرول فرديناند الثاني (1529 - 1595) وهو أحد امراء عائلة هابسبورغ، وقد نقلت هذه المجموعة الثمينة التي ضمت نفائس فنون العصر من إنسبروك إلى فيينا خوفاً من تقدم جيوش نابليون سنة 1806. ألحقت بهذه المجموعة نفائس مجموعة إيطالية امتلكتها عائلة اوبيتزي (قرب بادوا بإيطاليا) تتألف من أدوات عصري النهضة المتأخر والباروك المبكر. نقلت المجموعة إلى فيينا في 1870 وجرى إلحاقها سنة 1914 بالمجموعة الإمبراطورية النمساوية. وقد أُكملت المجموعة كذلك بما تم تجميعه واقتناءه على مر السنين. تُعرض بعض نفائس المجموعة المتميزة عالمياً في مكانها الحالي في البلاط الإمبراطوري (هوفبورغ) منذ سنة 1947، وقد أكمل توسيعها بفتح غرف جديدة نجد فيها أدوات البيانو التاريخية سنة 1964.

عرضت في المتحف لوحات بورتريه أصلية لبيتهوفن الكهل (من رسم فالدمولر 1823)

بورتريه بيتهوفن (فالدمولر)

وآخر لبيتهوفن في عمر الثالثة عشرة (1783) وشوبرت الشاب (رسم آبل 1815)،
بورتريه شوبرت الشاب (آبل)

وكذلك بورتريهات وتماثيل نصفية لأهم أسطوات البيانو في ذلك العصر مثل أنتون فالتر وأندرياس شترايخر ويوهان شترايخر زوج نانيت شترايخر ابنة الأسطة الألماني الشهير من آوغسبورغ يوهان أندرياس شتاين، وكونراد غراف وآخرين.

وتبرز بين أدوات المجموعة أدوات بيانو مثل البيانو الخاص بفرانس ليست (من صنع ورشة أرار الفرنسية)، والبيانو الذي أهداه كونراد غراف للعازفة الماهرة كلارا فيك سنة 1839 قبل أن تتزوج روبرت شومان وتحمل اسمه. عزف عليه كل من كلارا وزوجها روبرت، بالإضافة إلى يوهانس برامز عند زيارته عائلة شومان في دوسلدورف. وهناك بيانو آخر يرتبط بكلارا شومان، هو بيانو من صنع شترايخر (1868) استعمل في افتتاح قاعة جمعية الموسيقى الشهيرة (Musikverein) سنة 1870 اختارته كلارا شومان لتقدم أول حفل في هذه القاعة التي ذاع صيتها. 

بيانو بوزندورفر المزخرف - معرض باريس العالمي 1867

يُعرض كذلك عدد من الأدوات الشهيرة، منها ما صنعته ورشة بوزندورفر الفييناوية خصيصاً لمعرض باريس العالمي سنة 1867، وقد نقش بنقوش كلاسيكية باذخة. وقدمت ورشة بوزندورفر كذلك بيانو هدية إلى الإمبراطور فرانس يوزف بمناسبة الذكرى الخمسين لجلوسه على العرش سنة 1898 وعليه الشعار الإمبراطوري، وقد أهداه الامبراطور بدوره إلى ابنته ماريا فاليريا.

يعرض متحف تاريخ الفن إلى جانب هذه المجموعة الموسيقية المهمة مجاميع ثمينة منها مجموعة فنون مصر والشرق الأدنى، ومجموعة الفنون الإغريقية والرومانية، ومجموعة المسكوكات ومجموعة الأسلحة والدروع الامبراطورية بضمنها عدد من الدروع والأسلحة العثمانية  بديعة الصنع.


ثائر صالح




الاثنين، 29 أبريل 2024

بارتوك وتجميع الموسيقى الشعبية

الجذور


كان الموسيقي المجري البارز بيلا بارتوك (1881 - 1945) من بين أوائل الباحثين الذين وضعوا أسس علم الموسيقى الشعبية (Ethnomusicology)، وكان هذا العلم يسمى سابقاً بعلم الموسيقى المقارن لغاية منتصف القرن العشرين. ظهر هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر وكان المقصود منه دراسة موسيقى شعوب المستعمرات من قبل الأوروبيين، مع وجود أمثلة على دراسة الموسيقى الانكليزية والاسكتلندية والبولندية في فترات مبكرة، أو على الأقل محاولات تجميعها وتدوينها. لكن يمكن اعتبار بارتوك وزملاءه زولتان كوداي (1882 - 1967) ولاحقا لاسلو لايتا (1892 - 1963) والروماني كونستانتين برايلويو (1893 - 1958) من أوائل الذين جمعوا ودرسوا موسيقاهم الشعبية الخاصة بهم، وموسيقى الشعوب المجاورة لهم بشكل واسع، وهذا أمر أعطاه بارتوك أهمية استثنائية. استعمل بارتوك منهجاً علمياً دقيقاً في عملية التجميع التي مرت بمراحل عديدة: البحث عن المصادر الموثوقة، تسجيل الأغنية بالفونوغراف، تسجيل نص الأغنية، توثيق معلومات تفصيلية عن المصدر مثل العمر والمهنة والنشأة (البيئة الجغرافية) وممن سمع أو تعلم الأغنية، ثم تدوين اللحن وكل ما يتعلق به قبل الشروع بتحليله ومقارنته بالمادة المتوفرة في بنوك المعلومات (وهي الكتب المتخصصة والدراسات في المجلات العلمية حسب التطور التقني في ذلك الوقت). وكان بارتوك يجد في كل هذا متعة تعوض الجهد والتعب الذي يعنيه القيام بالمسح الميداني في أماكن لا تصلها المدنية على الغالب. 

يقول بارتوك: "الموسيقى الشعبية هي كائن خلقته الطبيعة … تطور هذا المخلوق مثل باقي مخلوقات الطبيعة بشكل عضوي وحر: مثل الزهور والحيوانات ونحوها. لهذا السبب بالذات فهي رائعة وكاملة بنفس القدر… إنها تجسيد نقي للفكرة الموسيقية يثير الدهشة من ناحية التعبير المكثف للشكل وقوة التعبير والتعامل المقتصد مع الوسائل المتوفرة من جهة، ومن جهة أخرى بسبب حيويتها وتأثيرها المباشر" (من مقالة "عند ينابيع الموسيقى الشعبية " 1925).


بارتوك وزوجته الثانية، دتّا باستوري


بدأ بارتوك تجميع الموسيقى الشعبية المجرية في منطقة سيك Szék في ترانسلفانيا في 1905، ثم بدأ بتجميع ودراسة الموسيقى الشعبية للسلوفاك والرومان الذين يعيشون في المناطق القريبة إلى جانب الأغاني والموسيقى الشعبية المجرية منذ سنة 1906. استمر هذا العمل الدؤوب لغاية ما بعد الحرب العالمية الأولى لكنه توقف بسبب تقسيم المملكة المجرية وتوزيع ثلثي الأراضي التي كانت تابعة لها ضمن الإمبراطورية النمساوية على دول الجوار، ومعها تجمعات سكانية مجرية استقرت هناك منذ أكثر من ألف عام (بالخصوص في رومانيا ومولدافيا). كانت هذه التجمعات القروية المجرية تمتلك أهمية استثنائية لأن الطبقات الأكثر قدماً وأصالة في التراث الموسيقي المجري لا تزال حية لديها، نجد فيها العناصر التي ترجع إلى فترات التعايش مع الشعوب التركية والإيرانية في سهوب وسط آسيا قبل قدوم المجريين إلى حوض الكاربات حيث يعيشون اليوم. وقد ساعده تجميع هذه المادة القديمة في تجميع التراث الغنائي والموسيقي الشعبي في الأناضول لاحقاً بشكل كبير. قام بارتوك كذلك بمسح ميداني في شرق الجزائر سنة 1913 كما أشرت في كتابة سابقة.

أما رحلته إلى تركيا في 1936 فجاءت بعد فترة من الانقطاع عن المسح الميداني، زار فيها اسطنبول وأنقرة حيث ألقى محاضرات في جامعتها وقدم حفلات موسيقية قبل أن يتجه إلى المنطقة الممتدة بين أضنة وعثمانية لتجميع المادة الموسيقية. 



بارتوك في الجزائر


تعرّف بيلا بارتوك على الموسيقى في شمال أفريقيا للمرة الأولى في سنة 1906، عندما عَبَر مضيق جبل طارق إلى طنجة عقب جولة فنية في اسبانيا والبرتغال كعازف بيانو مرافق لعازف الكمان المجري الطفل المعجزة فرنس ڨَيچَي (1893 - 1935). أخذ بارتوك يهتم بالموسيقى الشعبية بشكلٍ واضح في ذلك الوقت عقب سماعه الأغاني الشعبية المجرية، وقام بأول رحلاته لتجميع وتوثيق الموسيقى الشعبية المجرية في ترانسلفانيا بالتعاون مع زميله زولتان كوداي.

بالتزامن مع بدء بارتوك بتجميع الموسيقى الشعبية المجرية وتسجيلها على اسطوانات الشمع، أسس الباحث الإثنو موسيقي أريخ فون هورنبوستل (1877 - 1935) أرشيف برلين للفونوغراف (Berliner Phonogramm-Archiv) وهو مركز لتجميع تسجيلات الموسيقى الشعبية من مختلف أنحاء العالم. ونشأت بين الرجلين علاقة تعاون في 1912 بعدما أرسل بارتوك مجموعة من التسجيلات الموسيقية الرومانية إلى برلين، طالباً بالمقابل إرسال تسجيلات للأغاني الشعبية التونسية بعد اطلاعه على بحث هورنبوستل في دورية موسيقية متخصصة، كما طلب منه إرسال اسطوانات جديدة حتى يستعملها في رحلته الجزائرية سنة 1913.

بدأ بارتوك رحلة إلى الجزائر لمسح الفولكلور الغنائي في حزيران 1913 فزار مدينة بسكرة وتجول في الواحات القريبة مثل سيدي عقبة وطولقة والقنطرة وعلى طول خط سكة الحديد بين بسكرة وقسنطينة. أخذ بارتوك معه أحدث تقنيات ذلك العصر: فونوغراف أديسون مع عدد من الاسطوانات الشمعية لتسجيل الأغاني التي توارثها الجزائريون والأمازيغ (البربر) طوال قرون. سجّل بارتوك 96 اسطوانة شمع خلال هذه الرحلة، هي محفوظة اليوم في أرشيف بارتوك في بودابست، وقد نُقلت رقمياً على أقراص مضغوطة سي دي. وثّق بارتوك خلاصة جهده في الدورية المجرية "سيمفونيا" سنة 1917، ثم باللغة الألمانية بالتفصيل في "مجلة العلوم الموسيقية" الألمانية سنة 1920.

تدوين أحد الأغاني من بسكرة - الجزائر


لخص بارتوك تجربته الجزائرية بالشكل التالي:

"ما نعرفه عن الموسيقى العربية من مختلف المطبوعات هو ليس الموسيقى الشعبية بالتعبير الدقيق، بل موسيقى العرب في المدن، وهو بالتأكيد من بقايا الموسيقى العربية القديمة الكلاسيكية التي وصلت إلينا عبر التناقل الشفاهي بسبب عدم وجود طريقة للتدوين الموسيقي. في دراستي هذه لا أتطرق سوى إلى الموسيقى الشعبية، أي موسيقى الفلاحين التي تختلف عما ذكر أعلاه بشكل جوهري".

من ملاحظات بارتوك المهمة عن "السلالم"، يذكر أنه واجه صعوبة في إفهام الموسيقيين الجزائريين ما يعني طلبه منهم عزف السلم الموسيقي لقطعة معينة، فهم يميلون لعزف تقاسيم على المقام / النوبة الخ دون أن يفهموا لماذا يطلب منهم عزف "سلّم". ويذكر كذلك "… أن العلاقة بين درجات السلم غريبة، ولا يمكن مقارنتها بدرجات سلمنا الدياتوني أو الكروماتي المعدل إلا نادراً". نذكر هنا أن بارتوك تمتع بنعمة (أو نقمة) السماع المطلق، ما يجعله حساساً لتردد درجات السلم الموسيقي لدرجة كبيرة. أستعمل بارتوك علامات مثل + أو 0 للتدليل على اختلاف طبقة النغمة المعينة زيادة أو نقصانا عن النغمات في السلم الأوروبي المعاصر عند تنويط الأغاني التي جمعها، واستعمل الإشارات 2/♯ أو2/♭ للدلالة على اختلاف الطبقة بربع تون صعودا أو نزولاً.

الملاحظة الأخرى التي يذكرها بارتوك عن الألحان الشعبية في الجزائر، أنها تسير بشكل ضيق، يتكون اللحن على الغالب من بضع درجات متجاورة (الحديث هنا يدور حول الأغاني الشعبية مثل تنويم الطفل أو النواعي أو ما شابه، وليس حول التراث الموسيقي الكلاسيكي المعقد مثل التراث الأندلسي).

حديث بارتوك عن الإيقاع مثير، فهو يقول: "الإستعمال الثابت لأدوات الإيقاع في مصاحبة الألحان في إيقاع صارم … المستوى العالي لتطور الإيقاع يتناقض مع بدائية الشكل والمساحة الضيقة للحن".

استعمل بارتوك المادة التي جمعها في الجزائر وكذلك فهمه لهذه المادة في حوالي عشرة من أعماله، منها متتابعة البيانو (عمل رقم 14 - سنة 1916، الحركة الثالثة)، وعمله المتميز "المندرين العجيب" والحركات الأولى الأربع من متتابعة الرقص (1923) والرقصة العربية من 44 ثنائي للكمان (رقصة رقم 42) والقطعة رقم 58 من مجموعة البيانو الثانية من "ميكروكوزموس" (1936).


مؤتمر القاهرة للموسيقى العربية 1932


ساهم بارتوك في مؤتمر القاهرة الشهير سنة 1932، ولربما كان هو وفون هورنبوستل الوحيدين بين الحاضرين ممن اهتم بذلك الفرع من الموسيقى، أي الشعبية، التي اعتبرها الجميع متخلفة وليست مهمة. وعثر بين مسوداته على مخطط لورقة عمل باللغة الفرنسية حول الموسيقى العربية اقترحها على الحاضرين، نلمس صداها في وثائق المؤتمر. تذكر المسودة الأهمية القصوى لطبقة الموسيقى الشعبية بشكل تفصيلي، وتتطرق إلى خطة وطريقة لتجميعها وتصنيفها في نفس الوقت. تتناول الورقة تفاصيل كثيرة، بينها مشكلة التناقض بين اتجاه كتابة اللغة العربية مع اتجاه سير التدوين الموسيقي - النوطة في حالة تدوين النص مع الموسيقى، وتدعو إلى استعمال نتائج تجميع الموسيقى العربية الشعبية في تطوير الموسيقى العربية المعاصرة. 

أسهم بارتوك وفون هورنبوستل في لجنة التسجيل التي رأسها روبرت لاخمان (1892 - 1939) بسبب اهتمامهما بتوثيق الموسيقى الشعبية. قامت لجنة التسجيل باختيار الفرق التي يجري تسجيل أعمالها، ونلاحظ تأثير الرجلين عند اختيار تسجيل "فرقة من العازفين عزفاً بلدياً من القاهرة" وتسجيل "مغنيات (عوالم) من القاهرة" وتسجيل "طبل ومزمار بلدي من القاهرة" وتسجيل "زار (غناء ورقص)" وتسجيل "مغنين ريفيين من الفيوم"، إلى جانب سماع فرق الدول العربية وعزف الأستاذ مسعود جميل بك الطنبوري (1902 - 1963) الذي درّس في معهد الفنون الجميلة في بغداد لاحقاً. 

وقررت اللجنة بالإجماع "عظم الأهمية التي تستفاد من الموسيقى الريفية ومن الأغاني المرتبطة بالحياة العامة… (أغاني أوقات العمل وأغاني الملاحين والباعة في الطرق)... والبحث عن هذه الموسيقى في الأرياف وبين القبائل الرحل.." ووضعت توصيات بالغة الأهمية نلمس فيها الكثير مما اعتاد بارتوك شرحه في دراساته وكتاباته حول قواعد تجميع الموسيقى الشعبية. وتضمّن تقرير اللجنة إلى المؤتمر هذه التوصيات والآليات نجدها في الصفحات 93 - 110 من وثائق المؤتمر. 



الرحلة الى تركيا



طلب مصطفى كمال أتاتورك من الموسيقي الألماني باول هندميت (1895 - 1963) المساعدة في تنظيم ما يتعلق بالحياة الموسيقية على أسس جديدة معاصرة، وكان هذا في سنة 1935. قام هندميت بإعادة تنظيم التعليم الموسيقي وتأسيس داراً للأوبرا وإطلاق فن الباليه على أسس حديثة. لكن لم يكن هناك عالماً موسيقياً تطلب منه الحكومة التركية التعامل مع التراث الشعبي الموسيقي سوى بارتوك الذي ذاع صيته في الأوساط العلمية بصفته حجة في العلوم الإثنوموسيقية، على الخصوص بعد أبحاثه الجزائرية (1913) ومشاركته البارزة في مؤتمر القاهرة الدولي للموسيقى العربية في 1932.

رأى بارتوك أن استعمال المادة الموسيقية الشعبية (أغاني وموسيقى الفلاحين بالدرجة الأولى) في التأليف الموسيقي يمكن أن يجري على ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو استعمال العمل الموسيقي الشعبي بشكل أمين، المستوى الثاني هو اختيار المؤلف الموسيقي موتيفات معينة من المادة التي يعالجها وإدخالها في عملية التأليف الموسيقي بحيث يمكن تمييزها والتعرف عليها، أما المستوى الثالث فهو استعمال الأسلوب الموسيقي للمادة الشعبية وملامحها دون اقتباس أي شيء ملموس من مادتها. ونجد في أعمال بارتوك كل هذه المقتربات من معالجة المادة الموسيقية التي جمعها وحللها، مثلما ذكرت في كتابة قبل بضعة أسابيع.



كان بارتوك مقتنعاً بوجود قرابة موسيقية مجرية تركية بالأساس، خاصة بعد عثوره على نماذج مشتركة ضمن ما حصل عليه من مادة موسيقية تعود لمجموعات إثنية من الأورال تستعمل سلماً موسيقياً خماسياً (پنتاتوني). لذلك قابل بفرح كبير دعوة خلق اولري (بيوت الشعب، وهي حركة أسسها حزب أتاتورك) في ربيع 1936 لإلقاء محاضرات في جامعة أنقرة عن جمع الموسيقى الشعبية وتقديم مؤلفاته الموسيقية.

وصل بارتوك اسطنبول في 2/11/1936 واستقبله هناك الموسيقي التركي المعروف أحمد عدنان سايغون (1907 - 1991) ورافقه طوال جولته التركية، كما رافقه باحثان من جامعة أنقرة ليتعلما منه "أسرار المهنة" خلال جمعه المادة التراثية.

وقع اختيار الأتراك على مناطق السكن الشتوي لقبائل اليُرُك، وهي قبائل لا تزال شبه بدوية قريبة من عثمانية وطرسوس  ومرسين وعينتاب القريبة إلى الحدود السورية. لكن رحلة التجميع هذه واجهتها صعوبات كثيرة، فعدا الأمطار وصعوبة التنقل في المناطق النائية واستعماله وسائل نقل بدائية ومرضه لفترة، اصطدم بالتقاليد التي تمنع المرأة من الغناء أمام الغرباء وبتخوف المغنين من التقنية الغريبة التي شاهدوها أمامهم وهي الفونوغراف واسطوانات الشمع، وخوفهم من فقدان صوتهم بعد تسجيله مثلما ينحبس الجني في المصباح السحري.

وصف بارتوك رحلته التركية في كلمة أذاعها الراديو المجري بعد شهر ونيف من عودته، ونشرت الكلمة في العدد الأول من أشهر دورية أدبية مجرية في التاريخ هي نيوغات (الغرب) سنة 1937، تطرق بارتوك فيها إلى أوجه التشابه بين الأغاني التركية والمجرية. أنجز بارتوك تدوين وتحليل كل المادة التي جمعها في تركيا في أيار، بعد ستة أشهر من عودته.

جمع بارتوك أكثر من 100 من الألحان الشعبية (تُركو) في المناطق التي زارها في جنوب الأناضول وقرب أنقرة سجلها على 64 اسطوانة. وقد عثر على كنز كبير أثناء لقائه في العثمانية بعلي بكر أوغلو بكر (70 سنة) الذي أسمعه أغان وجد ألحانها مشابهة لأغاني مجرية يعرفها. شرع بارتوك بدراسة المادة التي جمعها فور عودته إلى بودابست، فدون الألحان وحللها وصنفها حسب الألحان إلى مجاميع، ثم بذل جهداً كبيراً لتدوين النصوص بالتركية بمساعدة الموسيقار التركي عدنان سايغون الذي رافقه في رحلته وعلماء مجريين.

لكن تطور الأحداث في تلك الفترة مثل احتلال جيكيا وضم النمسا إلى ألمانيا دفع بارتوك إلى التفكير بالهجرة. وكان يفكر جدياً في العمل في مسح الفولكلور الغنائي في تركيا مقابل توفير معيشته، وطلب من عدنان سايغون التوسط عند معارفه لهذا الغرض دون طائل بسبب تغير الأوضاع الداخلية في تركيا نفسها.




في الختام، هاجر بارتوك إلى الولايات المتحدة خريف 1940 على أمل العودة إلى بلاده بعد الحرب. فعمل في جامعة كولومبيا باحثاً في تحقيق مجموعة من الأغاني الشعبية الصربية والكرواتية وبحث في موضوع الفولكلور الروماني وأنجز مجلدات عن الموسيقى الشعبية الرومانية الغنائية والأدواتية في نهاية 1942 دون أن تنشر، لكنه جهّز محاضرات عنها ألقاها في جامعة هارفارد. وبموازاة ذلك عمل على المادة التركية التي جمعها، وجهّزها للنشر في 1943 دون أن يجد من ينشرها بسبب انعدام الإهتمام بها. وضع بارتوك مسودة كتابه "الموسيقى الفولكلورية التركية من آسيا الصغرى" صيف 1944 في مكتبة جامعة كولومبيا. واستمر بتأليف الأعمال الموسيقية في نفس الوقت، منها الكونشرتو الشهيرة وسوناتا الكمان المنفرد التي ألفها بطلب من عازف الكمان الشهير يهودي مينوهين. غير أن هذا الجهد الاستثنائي الذي بذله بارتوك في البحث وإلقاء المحاضرات أثر على صحته العليلة أصلاً، وترافق ذلك مع الحالة المادية الصعبة التي مرت به بسبب عدم تجديد جامعة كولومبيا عقده، والاهمال الذي واجهه هذا الموسيقار والباحث الإستثنائي، إذ لم يعر له الأمريكان المنشغلون بالحرب الكثير من الاهتمام. توفي بارتوك مديوناً في غرفة إيجار بائسة في نيويورك في 26 أيلول 1945. لم يصدر الكتاب مطبوعاً إلا بعد عقدين من وفاة بارتوك سنة 1945. فقد صدرت الطبعة الإنكليزية في 1976 ثم بالتركية في تركيا سنة 1991، ولم يصدر بالمجرية إلا مؤخرا في 2019.

يستنتج بارتوك في بحثه الطليعي استناداً إلى المادة الشحيحة التي جمعها أن 43% منها يشكّل الطبقة الأقدم والأكثر انسجاماً داخلياً والتي تحمل مزايا السلم الخماسي (البنتاتوني)، وهناك أجزاء من المادة تتشابه بشكل كبير مع الطبقات الأقدم في الفولكلور المجري. وتشير جذور الإثنين إلى أصول مشتركة في أواسط وغرب آسيا حيث عاش أجداد الأتراك والمجريين قبل 1200 - 1500 سنة. ولاحظ بارتوك أن هذه السمات المشتركة لا توجد لدى الشعوب المجاورة.


بحث هذه المدونة الإلكترونية

صدر مؤخراً

موتسارت الاعجوبة

 تمثال موتسارت في  ڤيينا   البدايات   ت قول الرواية أن الملائكة تغني أعمال باخ عندما تمجد الرب، لكنها تغني أعمال موتسارت عندما تكون لوحدها. ...